آخر تحديث: 6 / 12 / 2021م - 2:39 م

هل تعود الولايات المتحدة إلى عزلتها؟ «2»

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

أصبحت الولايات المتحدة زعيمة العالم الغربي بلا منازع إبان الحرب الباردة والمواجهة مع المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي، وتفيد المعطيات بأن الولايات المتحدة التي امتلكت «بعد إنهاء الحرب العالمية الثانية» منفردة حوالي 50 % من ثروة العالم، على الرغم من أنها تمثل حوالي 6 % فقط من سكانه.

سعت إلى إحكام قبضتها وسيطرتها العالمية، بدءا من أوروبا، وانتهاء بدول العالم الثالث. فعندما وضعت الولايات المتحدة خطة «مارشال» في سنة 1947م لإعادة بناء أوروبا كان الهاجس الرئيس المسيطر عليها هو احتمال وصول الشيوعيين إلى السلطة في العديد من دول أوروبا الغربية، في ضوء الخراب والانهيار الاقتصادي، وتوطد مواقع الشيوعيين نتيجة مشاركتهم في المقاومة الشعبية ضد الفاشية؛ لذا كان الشرط الأول لتنفيذ خطة مارشال هو إخراج الوزراء اليساريين من السلطة، وقد تحقق ذلك بالفعل في مايو 1947م، وأعلن رسميا عن «مشروع مارشال» في يونيو عام 1947م.

وظلت هذه السياسة الأمريكية مستمرة فيما بعد على هذا المنوال. وعلى صعيد آخر، فإن العلاقة بين الولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي مرت بمراحل مختلفة من التوتر الذي وصل إلى حد التدخل السافر في الشؤون الداخلية لتلك الدول؛ تجسيدا لمبدأ مونرو سيئ الصيت، واتخذ التدخل الأمريكي في شؤون القارة الجنوبية أشكالا مختلفة، سواء عن طريق الغزو أو تدبير الانقلابات العسكرية وتغيير الحكومات المدنية المنتخبة بالقوة أو فرض الحصار والمقاطعة الاقتصادية والسياسية أو دعم حركات التمرد المناهضة في حال تعرض المصالح الأمريكية للخطر أو لدى بروز النزعات والحركات الوطنية والقومية واليسارية ذات الطابع الاستقلالي في تلك البلدان، كما حصل مع بعض بلدان القارة الأمريكية الجنوبية.

وظلت الولايات المتحدة الأمريكية تحتفظ لأمد طويل بعلاقات وثيقة مع الأنظمة الديكتاتورية وجنرالات الجيش والأمن في معظم تلك الدول تحت يافطة التعاون المشترك في مكافحة الخطر اليساري في القارة الأمريكية الجنوبية. الدور الذي مارسته الإدارات الأمريكية المتعاقبة في دعم وإسناد الأنظمة الديكتاتورية والتسلطية تعدى أمريكا اللاتينية ليشمل عمليا بلدان العالم الثالث قاطبة، ففي القارة الآسيوية لم يعد خافيا الدعم الذي قدمته المخابرات المركزية الأمريكية للانقلاب الدموي الذي قاده الجنرال سوهارتو في إندونيسيا، والذي ذهب ضحيته مئات الألوف من القتلى والمعتقلين، إلى جانب دعم الأنظمة الديكتاتورية ــ آنذاك ــ في الفلبين وكوريا الجنوبية وتايلند وفيتنام الجنوبية وباكستان وتركيا، ولا ننسى مسؤوليتها المباشرة عن الإطاحة بحكومة مصدق المنتخبة في إيران، ودعمها اللا محدود لنظام الشاه رضا بهلوي الذي نصبته وكيلا لمصالحها في منطقة الخليج، ولم تتردد في خوض غمار حربين مدمرتين في كوريا وفيتنام منعا لوحدتهما القومية.

والأمر ذاته ينطبق على أفريقيا. وعلى صعيد المنطقة العربية، فإنها دعمت بلا حدود الغزو والعدوان الإسرائيلي المستمر على العرب، وما تمارسه من أعمال همجية ومجازر وحشية في الأراضي الفلسطينية. صحيح أن الولايات المتحدة أقدمت على إحداث بعض التعديلات التكتيكية في غضون العقدين الماضيين، ورفعت الدعم والغطاء المباشر عن الأنظمة الديكتاتورية في أمريكا اللاتينية وآسيا وغيرها من مناطق العالم؛ نتيجة تطورات الوضع الدولي الذي يأتي في مقدمته انتهاء الحرب الباردة إثر انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفيتي، ما سمح بسقوط وانهيار العديد من تلك الأنظمة، وتحقيق نوع من الانفراج والانفتاح السياسي إلى الحد المسموح والمقبول به أمريكيا وبما يخدم مصالحها في المقام الأول.

وفي هذا الصدد، كتب المفكر وعالم الألسنيات الأمريكي نعوم شومسكي «ثمة إذا عاملان جديدان في العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الثالث هي الحاجة لتعديلات تكتيكية وعقائدية والحرية الأوسع في اللجوء إلى القوة بمناعة عن العواقب، وذلك جراء انحسار الرادع السوفيتي. ثمة عامل ثالث هو أن التدخل بالقوة ووجود الديكتاتوريات العسكرية ليسا من ضرورة الأمور كما كانا عليه في السابق.

ومن أسباب هذا نجاح العنف ضد المنظمات الشعبية والكارثة الاقتصادية المحيطة بالعالم الثالث، وفي مثل هذه الظروف يصبح من الممكن تحمل الحكومات المدنية وأحيانا تحمل حتى الديمقراطية الاجتماعية، الآن وقد تلاشت الآمال بحياة أفضل». وأضيف هنا أن تفرد الولايات المتحدة بالقيادة والقوة العسكرية والسياسية العالمية فقط لن يؤهلها لكي تلعب وتقرر منفردة مستقبل ومصير العالم لأمد طويل، في ضوء بروز منافسين عالميين أقوياء، خصوصا في الميدان الاقتصادي كالاتحاد الأوروبي واليابان والصين وروسيا والهند والبرازيل..

للحديث صلة.