آخر تحديث: 6 / 12 / 2021م - 3:12 م

هل تعود الولايات المتحدة إلى عزلتها؟

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

من المهم الإشارة إلى أنه قد تتقاطع، وتلتقي أحيانا مصالح الولايات المتحدة مع مصالح الشعوب والبلدان الأخرى، كما حصل أثناء الحرب العالمية الثانية والتصدي لخطر النازية «الألمانية» والفاشية «الإيطالية» والعسكراتية «اليابانية» أو إزاء العدوان الثلاثي ضد مصر في 56م، وعملية تحرير دولة الكويت في 1991.

غير أن الدافع الرئيسي والحاسم الموجه للسياسة الأمريكية في التحليل النهائي يظل تأكيد وتثبيت مصالحها الإستراتيجية والذاتية في المقام الأول. غير أن الحديث عن فوارق هامة وجوهرية بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري إزاء المسائل الاستراتيجية للسياسة العامة، خصوصا السياسة الخارجية، وما يطرح حول ميل الجمهوريين إلى العزلة والانكفاء والسلبية إزاء متطلبات السياسة الأمريكية مقارنة بالديمقراطيين، تبدو ضربا من الأوهام الساذجة.

قد يبدو في الظاهر أن هنالك فوارق معينة في مواقف الحزبين، وقد توجد بالفعل بعض الفوارق، ولكن إزاء قضايا داخلية بحتة وذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وثقافية تمس وترتبط بهموم واهتمامات الشعب الأمريكي.

من المعروف أن الشعب الأمريكي هو أقل الشعوب في البلدان الغربية اهتماما بالتعاطي بقضايا السياسة العامة والسياسة الخارجية على وجه الخصوص، ما لم تمس بشكل مباشر مصالحه، وتؤثر على استقراره كما حصل في حرب فيتنام، والصدمة النفطية التي أعقبت حرب أكتوبر «1973م»، أو ما أسفر عنه الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان، وما سمي الحرب على الإرهاب من نتائج كارثية، وخسائر بشرية ومادية ضخمة.

ومن المعروف أن السياسة العامة للولايات المتحدة يصوغها بصورة مشتركة الرئيس الأمريكي، والكونجرس، ومجلس الأمن القومي، ووكالة الاستخبارات المركزية، والبتناجون «وزارة الدفاع»، وإلى حد ما وزارة الخارجية.

وبالطبع فإن هنالك دورا بارزا ومؤثرا لمراكز ومعاهد الأبحاث والدراسات والتخطيط، ومراكز الضغط واللوبيات المختلفة في صياغة تلك المواقف. غير أن تحرر السياسة الخارجية الأمريكية من قيود وتأثير الرأي العام الأمريكي، لا يعني أنها غير مقيدة، فهنالك التأثير والنفوذ القوي الذي تمارسه الشركات الأمريكية العملاقة، وكبار رجال الأعمال والأثرياء المتحكمين بالمفاصل الأساسية للاقتصاد الأمريكي والعالمي، الذين يشكلون «إلى جانب شركائهم في دول المركز وتحديدا أوروبا الغربية واليابان» عمليا الحكومة الخفية التي تدير العالم في زمن العولمة، من خلال الآليات المختلفة المتمثلة في صندوق النقد الدولي البنك الدولي للإعمار ومنظمة التجارة العالمية.

حتى الأمس القريب وقبل اندلاع فصول وحلقات الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة في الولايات المتحدة التي امتدت ذيولها إلى مختلف أصقاع العالم والتي هي نتيجة حتمية لطبيعة النظام الرأسمالي، اعتبرت العولمة، وقاطرتها الليبرالية الجديدة مرادفا للأمركة، التي جرى تسويقها باعتبارها الملهم والنموذج المثالي لبقية شعوب وبلدان العالم، وعن طريقها كانت الولايات المتحدة تمارس هيمنتها المادية والمعنوية في العالم.

غير أن هذا النموذج أو الحلم الأمريكي سرعان ما بهت وسقط على الصعيدين الداخلي والخارجي، نتيجة تكشف الكثير من الوقائع والحقائق المريرة الدامغة. الولايات المتحدة التي تفاخر بأنها مهد الديمقراطية وقلعة الحرية في العالم، وتسعى جاهدة إلى عولمة قيمها وتسويق مفاهيمها السياسية والثقافية، من خلال الربط بين الديمقراطية وحرية السوق، تبدو في ميدان الديمقراطية الاجتماعية، والديمقراطية الاقتصادية في أدنى درجات السلم مقارنة بالدول الغربية الأخرى، ونذكر هنا تفاقم دور الاحتكارات الكبرى، واتساع حدة الفوارق الطبقية والاجتماعية، وازدياد نسبة الفقر، وتردي أوضاع الطبقة الوسطى، وانتشار العنف والجريمة الفردية والمنظمة «المافيا»، وتعاطي المخدرات على نطاق واسع.

هذه التطورات في الداخل الأمريكي، وعلى صعيد ميزان القوى الاستراتيجية العالمية لم تتبدل من حيث الجوهر، حيث يظل الاتجاه الرئيس للسياسة الأمريكية هو استخدامها لكل ما في حوزتها من إمكانيات ووسائل ضغط «القوة الناعمة» من أجل استمرار الهيمنة والتدخل في مناطق العالم المختلفة، ومن بينها بل وفي مقدمتها المنطقة العربية، ودون أن تستثني إمكانية استخدام القوة العسكرية حين تستدعي الحاجة أو المصلحة الأمريكية، لحماية مصالحها الإستراتيجية في أية بقعة في العالم، بغض النظر عن طبيعة الإدارة الأمريكية، وهو ما ينطبق على إدارة الرئيس الأمريكي الحالية باراك أوباما، مع عدم إغفال وجود بعض الفوارق التكتيكية والإجرائية، مقارنة مع الإدارات الجمهورية وخصوصا المتطرفة منها، على غرار إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش.