آخر تحديث: 6 / 12 / 2021م - 3:12 م

ما بعد تشافيز.. فنزويلا إلى أين؟

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

يوم الثلاثاء الفائت، أعلن نائب الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، رسميا وفاة الرئيس هوغو تشافيز عن عمر يناهز الثامنة والخمسين بعد صراع مرير دام سنتين تقريبا مع مرض السرطان، الذي كان الرئيس الراحل يردد وبتحدٍ أنه سيهزمه ويتغلب عليه، ومتمنيا أن يعيش 30 سنة أخرى، حتى يتمكن من تجذير ما أسماه «الثورة البوليفارية» في فنزويلا وعموم قارة أمريكا اللاتينية. وقد تقرر تنظيم مراسم جنازة وطنية كبرى للزعيم اليساري والخصم اللدود للولايات المتحدة على مدى 14 عاما من رئاسته، سيحضرها عدد من رؤساء وقادة أمريكا الجنوبية والعالم.

ومع أن حياة شافيز كانت قصيرة في عمر الزمن، غير أنها كانت حافلة وصاخبة في إيقاعها وتأثيرها العميق ليس على صعيد بلده فنزويلا فقط بل في عموم أمريكا اللاتينية والعالم، نظرا لما كان يتمتع به من كاريزما وحضور قوي، كما كان شخصية إشكالية بامتياز، حيث كان يعتبر بمثابة الرمز الملهم والمخلص المنتظر بالنسبة للفقراء والكادحين والجماعات الثورية من جهة، كما ينظر إليه باعتباره زعيما شعبويا واستبداديا من قبل مناوئيه وأعدائه في الداخل والخارج من جهة أخرى.

قدوة تشافيز هو الجنرال سيمون بوليفار «1783 ــ 1830» الذي يعتبر أحد أعمدة الاستقلال وقائد معارك التحرير ضد السيطرة الأسبانية في مطلع القرن التاسع، وبفضله حصلت بوليفيا وبيرو وفنزويلا وبنما وكولمبيا والأكوادور على الاستقلال، كما أسس دولة كولمبيا العظمى الموحدة من هذه الدول، قبل أن تتفكك لاحقا، وقد اعتبر تشافيز نفسه المواصل والمكمل للتاريخ الثوري لأمريكا اللاتينية، واستمد برنامجه «الثورة البوليفارية» من اسمه، كما اعتبر نفسه الابن والامتداد بل والوريث للزعيم الكوبي فيدل كاسترو، وكان يفضل منادته بالكومندات «القائد» تشافيز على مسمى الرئيس.

ومع أن تشافيز قاد محاولة انقلابية فاشلة ضد السلطة المتهمة بالفساد في عام 1992 وحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثين سنة غير أنه أطلق سراحه بعد فترة، حيث شكل حركة ثورية ضمت جماعات ومكونات شعبية ويسارية صغيرة، وكانت المفاجأة فوزه في الانتخابات الرئاسية والتشريعية في العام 1998 وتكرر فوزه في الدورتين التاليتين وآخرها في عام 2012، غير أنه رحل قبل أن يباشر عمليا فترته الرئاسية.

ردود الفعل على رحيل تشافيز في داخل فنزويلا كان متباينا، فالفقراء والكادحون والفئات الشعبية، شعروا بالصدمة وانتابهم الحزن الشديد على رحيل ما يعتبرونه نصير الفقراء، وقد نزل عشرات الآلاف منهم إلى شوارع العاصمة كراكاس وبقية المدن الأخرى، تحية وتمجيدا له، ومؤكدين تمسكهم بنهجه وخطه الثوري، في حين لم يخفِ قادة المعارضة اليمينية والطبقة الرأسمالية ارتياحهم من رحيل ما اعتبروه ديكتاوريا مستبدا، ومعلنين عزمهم على توحيد جهودهم لكسب الانتخابات الرئاسية القادمة التي ستجرى في غضون 30 يوما. على الصعيد الخارجي جاءت ردود الفعل من قبل قادة وزعماء الدول على وفاته متباينة أيضا.

الحزن والصدمة هو ما عبر عنه بشكل واضح الزعماء والقادة في أمريكا اللاتينية التي بات اليسار «الجذري والمعتدل» يسيطر على معظم دولها، ومن خلال صناديق الاقتراع، بعد أن كانت تخضع لعشرات السنين لنظم عسكرية وديكتاتورية متحالفة وعميلة للولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تعتبرها على الدوام بمثابة مزرعتها وفنائها الخلفي..

دخل هوغو تشافيز منذ وصوله للسلطة في انتخابات 1998 في مواجهة مريرة مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة ما يتعلق منها بالوضع في داخل فنزيلا أو على صعيد أمريكا اللاتينية وعلى الصعيد الدولي، ومن بينها إقدامه على تأميم قطاعات البترول، والبنوك والاتصالات وغيرها، والجدير بالذكر بأن فنزويلا باتت تحتل المرتبة الأولى في العالم من حيث حجم احتياطيها من النفط متخطية بذلك قليلا احتياطي السعودية وذلك وفقا لنشرة الدول المصدرة للنفط «أوبك».

كما دعا شافيز دول أمريكا الجنوبية إلى توحيد جهودها وتعزيز استقلالها الاقتصادي والسياسي بعيدا عن الهيمنة الأمريكية، ومن أجل ذلك قدم دعما ماليا واقتصاديا مؤثرا للعديد من تلك الدول الفقيرة أو الشحيحة الموارد. يؤخد على تشافيز ومن منطلق عدائه ومناهضته للسياسات الأمريكية، تحالفه وتعاونه مع أنظمة حكم تعد ديكتاتورية واستبدادية بامتياز مثل العراق «في عهد صدام حسين» وليبيا «في عهد القذافي» وسوريا «تحت حكم الأسد».. الانتخابات الرئاسية القادمة ستوضح إرادة الشعب سواء في استمرار نهج تشافيز وتعميقه، أو التغيير عبر مسار آخر وهو أمر ضعيف الاحتمال في تقدير كثير من المراقبين.