آخر تحديث: 5 / 12 / 2021م - 12:11 ص

المكتبات.. فضاءات البحث الجامعي

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

كانت هنالك نوافذ معرفية مشرعة في الرياض، عبرنا ببصرنا من خلالها إلى عوالم لم نكن نعرفها، نحن الطلبة الجامعيين، القادمين بكثير من الأحلام والهواجس معاً!

أتذكر على وجه التحديد، المكتبة التابعة لـ ”مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية“، والتي كنت أقصدها باستمرار، بغية الحصول على نتائج بحث متطورة، لم تكن متوافرة في مكتبات أخرى.

المكتبة كانت مساحة اطلعت فيها على نصوص تراثية، ودراسات ثقافية وإسلامية عدة، كان جزء من الكتب المهمة تخرج لك في نتائج البحث، وكنت أعمل على تصوير الكتاب إذا كان صغيراً، حيث لا أزال أحتفظ في مكتبتي الأثيرة بمنزلنا في القطيف، بالعديد من الكتب التي صورتها قبل أكثر من عشرين عاماً.

شهية البحث والمطالعة، كانت تتفتق لدينا في مركز الملك فيصل، ليس بسبب الترتيب ووسائل البحث المتطورة مقارنة بمثيلاتها حينها، بل أيضاً، المعمار والفضاء المحيط بالمكتبة، والأجواء الجمالية التي كانت تجذب المرء لها.

أتذكر المسجد المجاور للمكتبة الذي صليت فيه مراراً، وكان في بعض الأحيان يأتي مصلون ويأتمون بي، غير منتبهين أو متجاوزين للفروقات المذهبية، وتلك الصلوات على عفويتها، واتجاهها إلى البارئ عز وجل، إلا أنها كانت تمريناً على إثبات الذات من جهة، وقبول الآخر من جهة أخرى وكسر الخوف والتردد.

مكتبة أخرى، وإن كانت زياراتي لها أقل إلا أنها كانت مليئة بالكنوز، ألا وهي ”مكتبة الملك فهد“، التي كان يعمل بها الأديبان عبدالله العبدالمحسن، ومحمد القشعمي، حيث كنت أزورهما أحياناً في مكتبهما، وهما ممن تربطهم علاقة بالباحث محمد السيف، والأديب الراحل عبدالكريم الجهيمان، واللافت في تلك التجربة هو اهتمامها بالتوثيق الكتابي منه أو الشفاهي، وهو ما أثمر عدة كتب وبحوث مهمة عن تاريخ السعودية الاجتماعي والثقافي والسياسي.

هنالك علبٌ صغيرة متناثرة، تجد فيها أسفاراً معرفية مخبأة زهيدة الثمن، تلك هي محلات ”الكتاب المستعمل“، التي كنا نحرثها بحثاً عن عناوين جذابة، مهملة من قبل البعض، أو غير مرغوب فيها بسبب الجو العام المحافظ. ولذا، كنا نجد أحياناً كتباً لا تتوفر في المكتبات الكبرى، وبأسعار زهيدة، ونظيفة المظهر غير مجعدة أو ممزقة.

المكتبات كانت مساحات للبحث، والتعلم، والنقاش، والألفة مع الأفكار المتنوعة، والتعرف على أطروحاتٍ لم نكن قد خبرناها من قبل، ونحن في سنواتنا الجامعية نلملم تجاربنا ونتلمس طريقنا.

هذه التجربة ساقت العديد منا إلى حكايا ”عشق“ مع الكتاب، وشخصياً، أدين لفترة الجامعة بالفضل في كثير من تكويني اللاحق، حيث أعترف أنني خلال تلك الفترة كنت أكثر انكباباً على القراءة والبحث، قبل أن تفسد ”السوشيال ميديا“ عقولنا، وتجعلنا حبيسي شاشات هواتفنا الباردة!