آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 5:19 م

هزم ترامب.. لكن ماذا عن ”الترامبية“؟ 3 - 3

نجيب الخنيزي

التزاوج ما بين الديني والقومي والعنف وفقا للعديد من الباحثين الأمريكيين هناك ميل متزايد من قبل الخطاب القومي الشعبوي اليميني حول إدماج الدين والنزعة المسيحية / القومية في النشاط السياسي لممثلي اليمين المتشدد في الساحة الأمريكية الذين يعبرون عن توجهات القاعدة الإنتخابية المتمثلة في القوميين المسيحيين الإنجيليين البيض والتي بلغت ذروتها في مرحلة ترامب.

نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس الذي أنهى خطاب قبوله للترشح في أغسطس 2020 أثناء المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري بلهجة توراتية، حيث أعاد بنس كتابة مقطع من كتاب العهد الجديد ”دعونا نركز أعيننا على يسوع، خالق هذا الدين ومكمله، الذي احتمل التعذيب والتصليب من أجل الفرح والسعادة التي وضعها هدفا أمام عينيه“

وفي أواخر مارس2020، عندما كانت المدن خاضعة للإغلاق وكان مسؤولو الصحة العامة يطالبون بضرورة التقيد بإجراءات صارمة للحجر الصحي، التقى دونالد ترامب بجمع من أنصاره في البيت الأبيض في ماأعتبره بأنه ”يوم وطني للصلاة لمنح الأميركيين القوة لتحمل هذا الوقت العصيب“

كما يستحضرنا المشهد الاستعراضي للرئيس ترامب في يونيو 2020 في ساحة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض، حيث تم إطلاق الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين ضد العنصرية حتى يتمكن من الانتقال إلى كنيسة سانت جون القريبة، وبرفقته أركان أدارته والوقوف بفخر على درجاتها وعرض الكتاب المقدس أمام وسائل الإعلام.

من جهة أخرى أشاد ترامب بكيفية استبدال الخدمة السرية للعناصر في الخط الأمامي أإزاء المتظاهرين، أمام البيت الأبيض، مشيراً إلى أن الحشد من المتظاهرين كان كبيراً ومنظماً بشكل مهني، غير أنه لم يستطع أي منهم الاقتراب من سياج البيت الأبيض. وتابع في تمجيد وإشادة بالعنف ”لو تمكنوا من ذلك، لكانت سترحب بهم هناك الكلاب الأكثر شراسة والأسلحة الأكثر رعباً، ولكان هؤلاء الناس سيصابون بجروح بليغة على الأقل، وكان كثير من عناصر الخدمة السرية في الانتظار مستعدين للتصرف“. وهو ما دفع ريتشارد سبنسر أحد قادة حركة ”القوميين البيض“ بأن يصف ترامب باعتباره صوت اليمين.

في هذا الصدد تذكر ليز ثيوهاريس مديرة «مركز كايروس للأديان والحقوق والعدالة الاجتماعية - في نيويورك»: في عهد ترامب، وصلت هذه القومية الدينية إلى ذروتها حيث ترسخت حركة رجعية تضم المليارديرات التكنوقراط، والتبشير الإعلامي، والميليشيات المسلحة برسالة بسيطة مفادها ”الله يحب أميركا المسيحية البيضاء، ويفضل الحكومات الصغيرة والشركات الكبرى، ويكافئ الفردية، وريادة الأعمال وفي الوقت نفسه، يتم إلقاء اللوم على الفقراء والملونين والمهاجرين في مشاكل المجتمع حتى مع زيادة ثراء الأغنياء في دولة لا تزال الأغنى في تاريخ العالم“

وتشير ليز ثيوهاريس أنه ”بعد عقود، استمر أنصار الفصل العنصري في استخدام آيات توراتية لتبرير قوانين جيم كرو «العنصرية ضد السود»، بينما في أواخر السبعينات ساعدت منظمة“ الأغلبية الأخلاقية ”على دمج جيل جديد من المتطرفين المسيحيين في السياسة الوطنية. وتضيف يكمن داخل حدود ذلك إرث وحشي من“ فرق تسد ”والذي، حتى يومنا هذا، يسيّس الكتاب المقدس من خلال الادعاء بأن الفقر ناتج عن خطايا ضد الله ويعلم الفقراء البيض على وجه الخصوص أنه على الرغم من أنهم قد يكون لديهم القليل أو لا شيء، فإنهم على الأقل“ أفضل" من الأشخاص الملونين.

نذكر من مجموعات البيض اليمينية المتطرفة ”ثري بيرسنترز“ و”براود بويز“ وكذلك ”بوغالوس بوا“ و”باتريوت براير“. وهي حركات معروفة بدفاعها عن حق امتلاك السلاح والعداء للحكومة والسلطة والأفكار اليسارية. كما أن حركة اليمين المتطرف ”كاي أنون“ لديها علاقات بحركات النازيين الجدد، وتعتبر أن قوات الأمن عملاء حكومة استبدادية، فيما تحضّر لثورة وطنية أو حرب عرقية.

ضمن هذا السياق جاء توقيف 13 رجلاً كانوا يخططون لخطف حاكمة ميشيغان وبدء ”حرب أهلية“، قبل أسابيع قليلة من الانتخابات الرئاسية الأميركية، ليلقي الضوء على وجود مجموعات مسلحة لليمين المتطرف، تشكل بحسب الشرطة الفيدرالية، التهديد الإرهابي الأول في الولايات المتحدة في الوقت الراهن.

ويعتنق غالبية الرجال ال13 الذين أوقفوا في ميشيغان أيديولوجيا مجموعة ”بوغالو“ وتهدف هذه المجموعة التي تضم نازيين جدداً وفوضويين من اليمين المتطرف، إلى إسقاط الحكومة بحرب أهلية. ويعرف مؤيدوها بارتداء قمصان هاواي الزاهية فوق الأزياء العسكرية، وقد تصاعد نشاطهم في أعقاب وفاة جورج فلويد الأميركي من أصل أفريقي الذي مات اختناقا تحت ركبة شرطي أبيض في 25 مايو في مينيابوليس، حيث اندسّوا في مواكب المتظاهرين المناهضين للعنصرية، لمهاجمة الشرطة.

وفقا للمحللين والباحثين الإمريكيين، ينشط في الولايات المتحدة عدد من الحركات اليمينية، بينها حركة التفوق العرقي الأبيض أو السيادة البيضاء والقوميين من الجنس الأبيض، حيث يقع تحت مظلة القوميين الجدد 100 مجموعة وعدد من الأحزاب الصغيرة، مثل حزب الحرية الأميركي الذي تأسس عام 2010، ويترأسه ويليام دانيال جونسون، ونجح في حيازة عدد من المقاعد في انتخابات مجلس النواب والشيوخ.

والجدير بالذكر أنه أثناء المناظرة الأولى بين بايدن وترامب على هامش الحملة الإنتخابية بينهما وفي معرض رده على تساؤل بايدن حول موقفه من حركة ”براود بويز“ كانت إجابة ترامب إليهم تراجعوا ولكن كونوا متأهبين وهو ما تحول إلى شعار لتلك المجموعة القومية البيضاء المتطرفة، ليرد عليه جو بيغز أحد قياديي المجموعة التي كثيرا ما تدخل في صدامات مع نشطاء اليسار، ”نحن مستعدون“.

ووفقا لمكتب التحقيقات الفيدرالي أن ناشطي اليمين المتطرف، المعزولين أو المنضوين في جيوب، هم منذ عام 2019 التهديد الإرهابي المحلي الأكبر في الولايات المتحدة. ويتهمونهم بالمسؤولية عن وفاة العشرات خلال السنوات الثلاث الماضية، بالمقارنة مع عدد أقل من ضحايا العنف الإسلامي.،

وأكد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كريستوفر راي، في أيلول/سبتمبر2020 أن المؤمنين بتفوق العرق الأبيض يشكلون التهديد المتطرف الأساسي، لكن معظم عمليات العنف القاتلة نفذت من جانب ناشطين مناهضين للسلطة ومناهضين للحكومة، مثل اغتيال أحد مؤيدي بوغالو شرطيَين في كاليفورنيا في أيار/مايو 2020

حركة النازية الجديدة في الولايات المتحدة تعود جذورها إلى الحزب القومي الاشتراكي، وهذا الحزب الذي أسسه هتلر عام 1933م، وأفكاره المتمثلة في تفوق الجنس الأبيض، وضرورة التخلص من شرائح اجتماعية معينة كاليهود والمعاقين، وتقوم حركة النازية الجديدة باستعادة هذا الميراث الفكري.

كما توجد حركة مواجهة الجهاد التي نشأت في الولايات المتحدة في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، ولها امتدادات في أوروبا؛ حيث تعتبر هذه الحركة أن المسلمين يشكلون تهديدًا للثقافة الغربية كما أنهم مصدر للعنف كما تتبنى شعار أوقفوا ”أسلمة أمريكا“ ويقدر عدد المجموعات العنصرية المعادية للإسلام حاليًا 101 مجموعة.

وكان من المحتمل ان تشكل تلك المجموعات تهديدا لانتخابات 3 تشرين الثاني/نوفمبر الرئاسية. حيث دعا دونالد ترامب، الذي أعرب مرارا عن مخاوفه من حصول عمليات تزوير هائلة يديرها الديمقراطيون، مؤيديه إلى التوجه لمراكز الاقتراع من أجل ”حماية“ بطاقات الاقتراع.

من جهة أخرى أن ما يعرف بولايات التمركز الإنجيلي، حيث تسود القومية المسيحية في الوقت الراهن، تمثل أكثر من 193 صوتا من أصوات المجمع الإنتخابي، وهي لعبت دورا حاسما في دعم دونالد ترامب ومايك بنس في الأنتخابات الرئاسية في عام 2016 وفي الأنتخابات الأخيرة في الآن معا.

الجدير بالذكر أنه وفي عز حملة الإنتخابات الرئاسية الأخير في الولايات المتحدة وبعد أن بدأت ملامح هزيمة الرئيس دونالد ترامب أمام منافسه الديمقراطي جون بايدن، أقامت المستشارة الروحانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باولا وايت كين، مراسم صلاة حماسية ابتهلت فيها لله لكي يعاد انتخاب الرئيس الجمهوري. ووجهت الداعية المسيحية الشهيرة سهام النقد ”للمحاولات الشيطانية لسرقة الانتخابات من ترامب“

وتداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة لمراسم الصلاة في الوقت الذي تتواصل فيه عملية فرز الأصوات في السباق الانتخابي بين ترامب ومنافسه جو بايدن، والتي توضح التقدم الواضح للمرشح الديمقراطي بايدن في الولايات «المتأرجحة» الحاسمة والتي حسمت فوزه رغم حالة الإنكار التي يعيشها الرئيس ترامب وأنصاره الجمهوريين وقاعدته الإنتخابية البيضاء التي صوتت له بكثافة، والتي دفعته إلى رفع دعاوى قضائية متهما فيها الديمقراطيين بالتزوير ومحاولة سرقة الفوز ومطالبا بوقف تعداد بطاقات الإنتخاب التي وصلت بالبريد بعد يوم الإنتخاب، رغم أن القوانين الإنتخابية أجازتها إذا كانت مختومة قي يوم تاريخ الإنتخاب وبالتالي يحتاج تعدادها إلى بعض الوقت، مع أن العديد من أقطاب الحزب الجمهوري نفى وجود أدلة على وجود عمليات تزوير وهو ما يكشف أن شعار ترامب الحقيقي ”ليس أمريكا أولا“ بل هو ”ترامب أولا وأخيرا“.

إزاء ما يعتبره عقيدة ترامب يذكرالمفكر الأمريكي والعالمي نعوم تشومسكي ”النتيجة المباشرة لهذه العقيدة هي أنه يجب عليه أن يشبع متطلبات حيتان المال وسلطة الشركات، الذين يتحملون“ غرائبه"، طالما أنه يخدم مصالحهم بوضاعة. وهذا ما يفعله بالضبط من خلال برامجه التشريعية وقرارته التنفيذية. كما قراره الأخير بالنسبة لوكالة حماية البيئة الذي سيزيد تلوث البيئة لمصلحة الشركات الصناعية، غير مهتم أنه سيعرض بذلك الآلاف لخطر الموت، والنسبة الأعلى منهم بين السود بالذات، كما تشير التقارير، ما دام المقابل هو زيادة الثروة لأولئك الذين يهمونه

هناك اختلالات هيكلية وأزمة بنيوية عميقة وشاملة تعصف بالنظم والمجتمعات الرأسمالية الغربية، والتي من نتائجها اتساع الفوارق الطبقية وتزايد مستويات البطالة والفقر، وتدهور مكانة الطبقة المتوسطة، في ظل تزيف الوعي الجمعي، والتوجه العام نحو التركيز على تضخم وحماية الهوية، ورفض الأخر «لاعتبارات عرقية أو دينية» المغاير وخصوصا مع حال التكور الثقافي والإنعزال الاجتماعي بين الجاليات المهاجرة وخصوصا من البلدان العربية والإسلامية، والواقعة بين سندان التأثير السياسي والأيدلوجي لحركات الإسلام السياسي من جهة، وواقع الإهمال وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية لغالبية تلك الجاليات من جهة أخرى، ومع غياب أو ضعف البديل اليساري لأسباب وعوامل مختلفة، مما تمخض عنه صعود الخطاب القومي الشعبوي وتقوية الأحزاب والأتجاهات القومية اليمينية المتشددة في الولايات المتحدة وأوربا، وقد نجحوا في استغلاله، غير ان هذا الخطاب في حقيقة الأمر هو نتاج وإفراز «مرحلي» للأزمة المستفحلة للنظم الرأسمالية في الغرب.