آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 12:58 ص

«الحراك الشيعي» بين الإشاعة والحقيقة

أفنان الجشي *

صدر مؤخراً كتاب «الحراك الشيعي في السعودية» لمؤلفيه بدر الإبراهيم ومحمد الصادق والذي يتحدث عن الفترة بين عامي 1979 - 2011 م، وهو يمثل من وجهة نظري استكمالاً لتوثيق تاريخ الحراك في المنطقة الشرقية والذي بدأ عرضه عن طريق كتاب الحركة الوطنية السعودية للسيد علي العوامي بجزأيه بين الفترة من 1953 - 1973 م.

تباينت الآراء حول الكتاب وهو الأمر الطبيعي شأنه في ذلك شأن أي مؤَلَّف، وقد تبنى الكتاب رؤية معينة للمسألة الشيعية في السعودية والأزمة الطائفية بشكل عام عبر نظريته «تسييس المذهب ومذهبة السياسة» معتمداً في الوقت نفسه على الحيادية والموضوعية في السرد التاريخي لأحداث رُويت على لسان صانعي هذا الحراك أو ممن عايشوه، ففي عدة مواقف تم سرد روايتين مختلفتين تماماً حرصاً على المصداقية وتحرياً للدقة، مما يطرح تساؤلاً حول التشكيك من قِبل البعض الذي يصل إلى الاتهام في النوايا والزعم بوجود أهداف خفية، كما أن الاعتراض على التوقيت يبدو في غير محله لأنه في أي توقيت سيصدر فيه الكتاب سنظل نسمع نفس الملاحظات.

من المهم الإشارة إلى هلع البعض بسبب التوظيف الذي حصل من قبل إحدى القنوات الفضائية الطائفية، وهو التوظيف الذي لا يعدو أن يكون اجتزاءً للكتاب يتم حسب مصلحة القناة وتوجهها، ولا يعبر أصلاً عن رسالة الكتاب التي تنتقد منطق هذه القنوات وضيوفها تحديداً. إن الهلع من استثمار الطائفيين لبعض معلومات الكتاب والتحجج بذلك في رفض طرح الكتاب أمر غير منطقي، فكل نص أو معلومة يمكن أن تُستثمر أو تُوظَّف، ومع أنه ليس مجالاً للمقارنة أو القياس ولكن يمكننا الإشارة إلى أن كتاب الله الكريم يُختلف في تفسيره، وهناك من يرى أن قتل الأبرياء شريعة قرآنية مستشهداً بآيات من القرآن الكريم، لكن هذا لا علاقة له بنص كتاب الله.

القول بأن الكتاب عبارة عن «نشر غسيل» يتردد بين المتحفظين على الكتاب، لكنني أعتقد أن علينا اعتباره فتحاً ومراجعة لملفاتنا خصوصاً ونحن نعيش عصر انفتاح معلوماتي وبالتالي هو أنفع لنا من الانغلاق والالتزام بحالة الغموض، ونحن بحاجة إلى هذه الرؤية النقدية لتاريخنا حتى لا يقع هذا الجيل في نفس الأخطاء التي وقع فيها الجيل السابق. تشير بعض ردات الفعل على الكتاب إلى روحٍ مذهبية عينها على موقف خصمها «الآخر المذهبي» من الكتاب، تحاول رص الصفوف في الطائفة بنشر إشاعات من قبيل نصرة الكتاب لمنطق الطائفيين المعادين للشيعة أو إثبات الكتاب اتهام الشيعة بالولاء للخارج، ومثل هذه الإشاعات غير أنها تؤكد المنطق الطائفي الذي ينقده الكتاب بدقة كبيرة عند الشيعة والسنة على حدٍ سواء، هي غير مقبولة بالنسبة لأي شخص أنهى قراءة الكتاب ولم يعتمد على القيل والقال.

فما ورد في الفصل الأخير من الكتاب عند الحديث عن السُنة والحالة الوطنية ومافيها من بيان لكيفية تحريض التيار السلفي المتكرر ضد الاندماج مع الشيعة والفتاوي التكفيرية التي يصدرونها بل وحتى الشخصيات التي قد تظهر بمظهر إصلاحي حقوقي ولا تتورع عن الهجوم على الشيعة والتحذير من خطرهم تؤكد أن الكتاب وقف ضد الطائفيين بلغة صريحة، بل إن الكتاب انتقد أصحاب التوجهات المعتدلة في الطرف السني الذين يسعون في الاندماج الوطني إما على استحياء أو في الخفاء خوفاً من خسارة الجمهور والأتباع أو تجنباً لأي مزايدات عليهم في الوسط السني.

أما الولاء للخارج فنعود إلى ما قدمه الكتاب من سرد تاريخي وتحليل يخلص من خلاله في الفصل الأخير إلى كون إيران تغض النظر عن تكوين نفوذ سياسي لها في السعودية بسبب أن الشيعة في السعودية أقلية غير مؤثرة بالإضافة إلى أن إيران تسعى إلى تشكيل نفوذ لها في الدول الهشة وهذا لا ينطبق على بلدنا التي تتمتع بسلطة مركزية قوية بالإضافة إلى شرح أولويات السياسة الخارجية لإيران وعدم رغبتها في تحمل عبء شيعي في الخليج، كما أن معظم التشكيلات والتيارات الشيعية المختلفة ليست موالية لا سياسياً ولا عقائدياً لإيران، وجميع ما ذكر في هذه الخلاصة يسهم في نفي التهمة المستخدمة غالباً في الدعاية الإعلامية التي تتردد كل يوم على مسامعنا من وجود ولاء سياسي لإيران عند الشيعة السعوديين.

إن قراءة كتاب أمر مختلف عن سماع الإشاعات عنه، كما أن نقاش التفاصيل الصغيرة لا يجب أن ينسينا الطرح الأساسي لهذا الكتاب والذي يؤكد أن المشكلة ليست مشكلة شيعة أو مشكلة سنة بقدر ماهي مشكلة دولة ذات مذهب واحد وهوية ضيقة لا تتسع للجميع، لذلك نجد أن الكتاب يرى أن حل الأزمة الموجودة يكون بالخروج من ضيق الحالة الطائفية المتمثلة في الدفاع والهجوم أو الأخذ والرد إلى سعة الهوية الوطنية الجامعة القائمة على اعتبار الاختلاف عنصر إثراء.