آخر تحديث: 6 / 12 / 2021م - 3:12 م

تحوّلات التديّن والإسلام السّياسي الشّيعي في السّعودية

حسن المصطفى * صحيفة النهار العربي

كُنا أطفالاً صغاراً، نذهب إلى حي ”المدارس“ في مدينة القطيف، شرق السعودية، مُيممين وجهنا صوب مسجد الشيخ حسين العمران، الذي كان يمتلئ بالمصلين، وخصوصاً أيام الجمعة، إذ تغصّ بهم الشوارع الخارجية.

لم يكن هذا الحضور الكبير أمراً غريباً، فقد كان الشيخ العمران يحظى بشعبية واسعة، فإضافة لما يمتلكه من علم فقهي، ونزاهة يد، هو ابن الراحل الشيخ فرج العمران، أحد علماء الدين البارزين في المنطقة.

الشيخ العمران، كان يلقي الدروس الفقهية والعقائدية بعد صلاتي المغرب والعشاء في مسجده، كما الخطبة ظُهر الجمعة؛ ومساء يفتح مجلسه الذي يستقبل فيه الناس، من دون أن ننسى الجولات والزيارات التي كان يقوم بها قبل سنوات طويلة خلت، للقرى التابعة لمدينة القطيف، والتي تستغرق أسابيع عدة.

هذا النشاط الدائم، التقليدي الطابع، البعيد عن السياسة، اجتذب الكثيرين، خصوصاً أولئك المؤمنين بفكر ”تيار الاستقرار“، الذي تحدثت عنه في مقالة سابقة، نشرها ”النهار العربي“ في 10 كانون الأول «ديسمبر» الجاري.

تمرّدُ الشباب

العلامة حسين العمران الذي كنا نلاحقه أينما ذهب ونحن في المرحلتين الدراسيتين الابتدائية والمتوسطة، ونأنس بما يطرح، بدأنا نحن الشباب نتمرد على نهجه عندما دخلنا المرحلة الثانوية، إذ أخذنا ننقدُ طريقة تفكيره المحافظة، وابتعاده عن التدخل في الشأن السياسي، وأطروحاته الفقهية الكلاسيكية.

كنا شُباناً متحمسين، تأثرنا كثيراً بأفكار ”خط الإمام الخميني“، برغم أننا كنا لا نزال نصلي خلف العمران، ونحترمه  قبل أن نقاطعه لاحقا  وكنا نرجع في التقليد للراحل آية الله أبو القاسم الخوئي، زعيم الحوزة العلمية في النجف، والذي بدوره كان مرجعية فقهية محافظة، بعيداً في مواقفه عن ”الثورية“.

برغم أن تيار السيد محمد الشيرازي، كان نشطاً في القطيف، عبر المنتسبين أو المتعاطفين مع ”منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية“، إلا أننا لم نكن على وفاق معه، وعلاقتنا محدودة ببعض أفراده ورموزه، وبقي تأثير أفكاره جزئياً فينا، بسبب ما يمكن تسميته التربية المضادة لـ ”تيار الشيرازي“ التي نشأنا عليها في كنف الشيخ حسين العمران، فقد كان الأخير أحد أكثر الشخصيات تشدداً ضد أطروحاته، وهو ما جعل ”الحركيين الشيرازيين“ يهاجمونه بعنف، وينشرون أشرطة كاسيات لعبارات مجتزأة ومجمعة من خطبه، تظهره في شخص المهرج، الذي لا يجيد غير طرح النكات!

الصراع مع ”الشيرازية“

”ربّي لا تذر على الأرضِ من الشيرازيين ديارا، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك“؛ عبارة ما زالت عالقة في ذاكرتي، وهي مثالٌ لما كان يردده بعضٌ من جمهور الشيخ العمران، في مواجهاتم الصلبة لـ ”المنظمة“، من دون أن ننسى تركيزهم على القول بعدم اجتهاد الشيرازي، وعدم أهليته لتولي المرجعية، وهي التغذية السائدة حينها في أوساط نقاد ”الشيرازية“، وهي تعكس حجم الممانعة لهم في العديد من مناطق وقرى محافظة القطيف، وتحديداً القلعة.

كان صراعاً مريراً، مزّق المجتمع، خصوصاً أن العمران والمؤمنين بطرحه كانوا يلومون ”تيار الشيرازي“ على النتائج السلبية لتحركاته التنظيمية، وهجرة مجاميع شبابيه للالتحاق بالمدارس والمعسكرات في إيران وسورية، وكان بينهم فتيات خرجن من دون موافقة ذويهن. 

أتذكر وأنا صغير ذات مرة، وقرب مدرسة ”ابن كثير المتوسطة“ في حي البحر، مشهداً لعدد من المنشورات السياسية المضادة للحكومة، وهي ملصقة على أعمدة الإنارة، وكيف أن أحد الأصدقاء معنا، عمد إلى نزعها وتمزيقها.

كان سوادُ الناس ضد هذه المنشورات، لما تحتويه من تحريض يخشون أن يتأثر به أبناؤهم، ولعدم رغبتهم في تعريض شباب القطيف للتوقيف والسجن، بسبب انخراطهم في أنشطة غير قانونية.

تجربة ”خط الإمام“

عندما بدأت الأسئلة تثور في ذهننا حول منهج بعض رموز ”تيار الاستقرار“، مثل الشيخ عبد الحميد الخطي، والشيخ منصور البيات، والشيخ علي المرهون، والشيخ حسين العمران؛ لم تكن ”الحاضنة الشيرازية“ هي من تلقتنا بسبب ما أشرت له سابقاً، وإنما وجدنا أنفسنا تلقائياً في كنف أفكار الراحل آية الله الخميني، كونه مرجعاً دينياً يحظى بشعبية واسعة، وقاد ثورة في إيران، التي حوّلها من ملكية إلى جمهورية، نالت تعاطفاً واسعاً، ليس من المسلمين الشيعة وحسب، بل حظيت باهتمام مفكرين مثل الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشال فوكو، والشاعر السوري أدونيس، وكتاب يساريين حينها كاللبناني حازم صاغية، وشعراء مثل نزار قباني، وعشرات الأسماء من ”النخبة المثقفة“ غير المتدينة، قبل أن ”تأكل الثورة أبناءها“.

كان ”سحر الثورة“ وخطابها ما أخذنا، نحن الشباب الذين نبحث عن تحقيق ذواتنا، والعيش في ظروف دينية أفضل، ونمارس عقائدنا وطقوسنا بحرية من دون خوف أو قلق، ونلجُ الحياة بفقه معاصر غير مرتهن للماضي.

في البدايات، لم نترك مجلس الشيخ العمران، أو نقطع الصلاة خلف العلامة البيات، أو نرمي الشيخ المرهون بشررٍ؛ إنما ومن دون أن نشعر كانت الأفكار ”الثورية“ تكبر يوماً بعد آخر، وتبعدنا عن البيئة الدينية والاجتماعية وحتى العائلية التي نشأنا فيها.

السجالات الصدامية!

أتذكر عام 1997، كنت في زيارة لمجلس خالي الراحل السيد حسن العوامي، الذي كان أحد الشخصيات الوطنية البارزة في القطيف. أبو السيد زكي، وفي مجلسه الخاص، وأمام عدد من أصدقائه المقربين، عاتبني بقسوة ومحبة، قائلاً: تخيلوا هذا ابن أختي ولا يأتي لزيارتي"!

كانت كلمته كرمحٍ أصاب القلب، لصدقها؛ وجعلتني ألزم مجلسه إلى أن رحل عام 2019، وتعلمت منه الكثير.

كان خالي محقاً في حديثه، فتأثرنا بأفكار ”خط الإمام“، جعلنا ننظر بريبة الى ”الوجهاء التقليديين“، ونعتبرهم شخصيات مهادنة ومتزلفة لمؤسسات الدولة، ومنتفعة منها، وأنها لا تعمل لمصلحة ”المذهب“! كان تفكيراً مراهقاً أخرق وساذجاً، ولا يمتُ للواقع بصلة.

ذات مرة، لا أتذكر سبب الحادثة، وكنت حينها شاباً جامعياً يافعاً، زرت الراحل قاضي ”محكمة الأوقاف والمواريث“، الشيخ عبد الحميد الخطي، في مجلسه، وصرت أناقشه في مسألة دينية - سياسية، بكل جرأة وصلافة، وهو يعاملني بأدب واحترام، من دون أن يرفع صوته أو ينهرني، فيما أنا أواصل تقريعي له. كان هو الآخر موقفاً ينم عن حماسة مفرطة وسوء تصرف! لقد كان العقل مغيباً لمصلحة الأفكار التي كنا نؤمن بها، ونشيح بوجوهنا عن أي فكرة أخرى، من دون أن نكلّف ذواتنا دراستها أو معرفة وجهات النظر المختلفة.

أسباب التمرد

بالعودة إلى مرحلة ”التمرد“، فمن المهم الوقوف على أهم أسبابها، لكي نفهم دوافعها:

1. الخطاب الفقهي التقليدي جداً، الى حد الجمود، لرموز التيار الديني التقليدي، الذي كان يحرّم الموسيقى والغناء، ويمنع المرأة من كشف وجهها، ويقيدك بمجموعة من النصوص الشرعية، تجعل الحياة ضيقة، وهو ما سبّب لنا نفرة منه.

2. انكفاء أكثر رموز التيار الكلاسيكي عن العمل في الشأن العام، إلا إذا استثنينا القاضي الراحل الشيخ عبد الحميد الخطي وتيار ”الوجهاء التقليديون“. وهو الانكفاء الذي كنا ننظر له بوصفه جبناً وإيثاراً للسلامة، وضرباً من الخنوع!

3. عدم قدرة التيار المحافظ على الدفاع عن ”الشيعة“ قبالة الأفكار والفتاوى التكفيرية التي كانت تروّج بحقهم من قبل المتشددين، وبالتالي الشعور بالمهانة والضعف، الأمر الذي دفع كثيراً من الشباب إلى البحث عن بدائل أخرى، يرون فيها القوة والمقدرة على الدفاع عن المواطنين في القطيف.

4. الخطاب الجديد الأكثر جاذبية الذي كان يقدمه ”الإسلام السياسي“، وقدرته على الحشد والتأثير العاطفي والذهني، والقراءات المبكرة لأدبيات العديد من رموزه.

لقد كُنا أبناء زماننا. نتاجٌ طبيعي لمرحلة الحرب العراقية - الإيرانية، وتداعيات الثورة الإسلامية في إيران، واحتلال الحرم المكي من قبل جماعة جهيمان العتيبي، وصعود تيارات ”الإسلام السياسي“ الذي أنتج  ”الإخوان“ و”الصحوة“ و”السرورية“ و”السلفية التكفيرية“ في الجانب السني؛ وكان المقابلُ الشيعي ”منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية“ و”حزب الله الحجاز“، محلياً.

هذه الأجواء ”المسمومة“ اختطفت المجتمع السعودي، كما تحدث عنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، عندما قال بصراحة: ”السعودية لم تكن كذلك قبل عام 1979. السعودية والمنطقة كلها انتشر فيها مشروع الصحوة بعد عام 79 لأسباب كثيرة“، مضيفاً: ”70% من الشعب السعودي هم في سن أقل من 30 سنة. وبكل صراحة، لن نضيع 30 سنة أخرى من حياتنا في التعامل مع أفكار متطرفة، سوف ندمرهم اليوم وفوراً“.

المراجعة المنهجية

مرحلة تاريخية مهمة في تاريخ السعوديين، كنا نحن جزءاً منها، فاعلين ومنفعلين بها. حقبةٌ لم يكتب عنها، أو تدون تجربتها بتفصيل وموضوعية وحيادية، حتى الآن، فأكثر ما كتب انطلق من مقاربات مسيسة أو متمذهبة؛ من هنا جاءت بعيدة عن العلمية وعن التحليل التاريخي، ولذا من المهم أن تكون هنالك مقاربات حقيقية شفافة ومنهجية، بعيداً عن الإسقاطات أو الأحكام الجاهزة.

”الإسلام السياسي الشيعي“، كان المقابل لـ ”الإسلام السياسي السني“، وكلاهما يعتاشان على الصراع والأجواء المشحونة عاطفياً ودينياً وسياسياً، ولذا، نجدهما أكثر ميلاً للخطاب الشعبوي، منهما للعمق الفكري والمعرفي.

”تغريبُ“ المجتمع!

لا يمكن النظر الى تجربة الإسلام السياسي من دون النظر في نتائجها، ولعل واحدة من أهم ما ساهمت فيه هو أنها ”غرّبت المجتمع“، أي جعلته ”غريباً“، وكأنه ليس جزءاً من ”شعب“، أو ليس منتمياً الى دولة وكيان قائم هو المملكة العربية السعودية.

هذه الإشكالية موجودة لدى المتأسلمين سنة وشيعة. جميعنا نذكر النشيد الشهير ”غرباء ولغير الله لا نحني الجباه“، وهو النشيد الذي يعزّز الشعور الانعزالي عن المجتمع. ولا ننسى في المقابل نشيد ”لمستضعفي الأرض قُلنا نعم“، الذي كان يردده المنتمون لـ ”منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية“، وفيه تحضر النزعة ”الأممية“ التي أخذت من التجارب الشيوعية السابقة.

كان ”الوطن“ غائباً ومُغيباً في ثقافة المجتمع، وكانت ”الأمة“ و”الطائفة“ هي الحاضرة، ولذا، نشأت الهويات الأقلوية، الدينية، الأحادية، فيما الهوية ”الوطنية - المدنية“ لم يكن لها حضورها!

ازدواجية الخطاب

أحد أهم المثالب في تجربة ”المتأسلمين“، الازدواجية في خطاب جماعات الإسلام السياسي. فهي تيارات لديها خطابٌ توجهه الى المؤسسات الحكومية في الدولة، وآخر للمنظمات الحقوقية، وثالث لجمهورها، ورابع مضمر لنخبتها الخاصة. هو أمرٌ لا يتعلق باختلاف المفردات أو مناسبة الحديث لمقتضى الحال، بل، للأسف، ممارسة التكاذب، وقول الشيء ونقيضه، ومحاولة اللعب بغية كسب السلطة، واستخدام الأتباع وقوداً ومطية لذلك.

النماذج الناقصة

قد لا يكون التيار التقليدي في أوساط السعوديين الشيعة، هو المثال الناجز، أو النموذج الأمثل الذي يجذب الشباب، بسبب القصور الذي يعتري خطابه الفقهي والثقافي، لكنه في الواقع كان حصناً ضد العنف والسلاح والأعمال الإرهابية والفوضى، إنما بالتأكيد ليست تيارات ”الإسلام السياسي“ هي البديل الناجع.

لقد تجاوزت السعودية الآن الكثير من أثقال حقبة ”الصحوة“  وسلبياتها، وهي تعيش اليوم تحولاً حقيقياً، يتعالى على المناطق والمذاهب، من دون أن نغفل أن الإصلاح عملية تراكمية، مستمرة، تحتاج لوقت وجهد ورؤية، ومشاريع مستدامة.

الولاء للوطن

في إحدى ليالي رمضان، قبل أكثر من عشرين عاماً، وحين كان النقاش محتدماً في مجلسٍ يضم عدداً كبيراً من المتدينين، يغلب عليهم المؤمنون بأفكار ”تيار الإمام الخميني“، تحدث أحدهم بحماسة عن النظام الإيراني، مثنياً عليه، ومبدياً له الحب المفرط؛ وقتها ولأول مرة، وجدت الانفعال بادياً على وجه خالي الراحل السيد علي السيد باقر العوامي، الذي ارتفع صوته قائلاً: ”أنا ولائي لهذه الدولة، ولفهد بن عبد العزيز“.

السيد علي العوامي، مؤلف كتاب ”الحركة الوطنية السعودية“، والذي كان أحد الرموز الوطنية في المنطقة الشرقية، وأوائل المنخرطين في الشأن العام والكتابة التنويرية والمطلبية في الصحف، هذا الرجل الذي كابد الكثير، وخاض غمار تجارب قاسية، لم يجعل من تجاربه حاجزاً عن وضوح الرؤية، ولذا كانت بوصلته واضحة: ”لا ولاءات عابرة للحدود، الولاء للوطن وفقط للوطن، وكل ما دون ذلك هراء“.

هذا الفكر الوطني الذي آمن به ”أبو كامل“، يستحق هو الآخر أن تدوّن سيرته ومفاصله التاريخية، وتقرأ قراءة مختلفة عن المقاربات الكلاسيكية، التي تضع ”اليسار السعودي“ وكأنه كتلة صماء واحدة.

السعوديون أبناء اليوم، وصناعٌ للمستقبل، والنظر الى التجارب يجب ألا يكون لـ ”البكاء على اللبن المسكوب“، بل لتجاوز السلبيات، وبناء الدولة المدنية الحديثة على أرض فكرية وثقافية صلبة، يتخفف فيها المجتمع من أوهام حركات ”الإسلام السياسي“، وخطاباته المخاتلة، والتي لن تقدم للناس غير السراب!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
Usama Mansouri
[ Dhahran-Saudi Arabia ]: 23 / 12 / 2020م - 2:20 م
مقال جميل الى اقصى حد . وطننا هو البوتقة التي تجمع ابناءها من يدينون له بالولاء والحب بغض النظر عن مللهم والوانهم فالدين لله والوطن لجميع ابناءه. تحياتي