آخر تحديث: 5 / 12 / 2021م - 12:11 ص

”الحركيّون السعوديّون“ والاستخدام النّفعي للخطاب الوطني

حسن المصطفى * صحيفة النهار العربي

هي كتابة شائكة، تلك التي تحاول الوقوف على خطاب وسلوك تيارات الإسلام السياسي، كون هذه الحركات تتوسم الدين رداء لها، وبالتالي، تجعل أتباعها يتوهمون أن أي نقد لها هو تدنيس للمقدس، وهتكٌ للدين!

محاولة المطابقة هذه، فنٌ برعت فيه التنظيمات المتأسلمة، ومنها تلك التي نشطت في أوساط السعوديين الشيعة، وبالأخص التيار الذي كان يتبع مرجعية الراحل آية الله السيد محمد الشيرازي.

الحركيون من ”تيار خط الإمام الخميني“، الذين انبثق منهم تالياً: ”حزب الله الحجاز“، و”تجمع علماء الحجاز“، سعوا لمحاولة تقليد ”الإخوة - الأعداء“، أي ”منظمة الثورة الإسلامية“، التي أصبح اسمها تالياً ”الحركة الإصلاحية“، إلا أن محاولات ”أنصار الإمام“ كانت محدودة، ومتواضعة، وليست على القدر ذاته من الجاذبية، سواء في مجلة ”الحرمين“ أو المنشورات الأخرى التي كانوا يصدرونها.

تراكمُ الخبرات

اشتغال كوادر ”التيار الشيرازي“ بالعمل الإعلامي، منذ النشأة المبكرة للحركة ”الرسالية“ في مدينة كربلاء العراقية، وانتقالهم تالياً إلى الكويت، وإيران، وسورية، ودول أوربية عدة، منحهم خبرة واسعة في ”بناء الصورة“ والترويج لها، بطريقة أكثر إتقاناً من منافسيهم في تشكيلات ”حزب الله“.

هذه الخبرة في الفعلِ الدعائي والصحافي، جاءت نتيجة العمل في الإذاعة والتلفزيون والصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية تالياً، وصولاً إلى ”الإعلام الجديد“ وشبكات التواصل الاجتماعي.

لقد أدرك الحركيون أهمية هذه الأدوات، وأجادوا توجيه رسائلهم من خلالها، سواء للقاعدة الجماهيرية المحلية ذات الطابع المناطقي والمذهبي، أو حتى لبقية المكوّنات الوطنية في السعودية والخليج.

الكاتب كامل الخطي، وفي مقالة له، نشرتها صحيفة ”عكاظ“ في 17 آذار «مارس» 2018، بعنوان ”صورة التيار الشيرازي في الإعلام“، أشار إلى أن ”الجماعة السياسية عموماً، من أي مشرب أيديولوجي كانت، تتقن فن الإيحاء عبر التقديم الانتقائي لصورتها إلى من هم خارجها، وإتقان هذا الفن، يلبي حاجات وظيفية على صعيد التجنيد، وعلى صعيد ترويج صورة حسنة في المجال العام“.

بناءُ السمعة

”الصورة المنتقاة“ هي جزء من الحقيقة، لكنها ليست كلها. هي الوجه الذي يراد تعميمه، فيما هنالك في العمق وجه آخر، مخفي، مخاتل، يسدل عليه الستار، ويحجب عن الأعين. وهو وجهٌ أقلوي، تياريٌ، حزبيٌ، بعيد عن المفهوم ”الوطني“ بمعناه الحديث والمدني.

من هنا، فإن وصف ”الحركات الوطنية“، لا يمكن أن يُسبغ على ”حركات الإسلام السياسي“، بشقيه السني أو الشيعي، لأن أي تنظيم ذي نشأة عصبوية، طائفية، هو بالضرورة مناقض لمفهوم ”الدولة الوطنية“، كونه يجعل أساس تكوينه وخطابه الصفاء العقدي، وليس العقد السياسي الاجتماعي، الذي هو أساس العلاقة بين الشعب والقيادة السياسية في الفكر الحديث.

ليس في ما تقدم نفي لـ ”الوطنية“ عن أي فرد، أو تحريض على تيار سياسي ما، إلا أن مقتضى الخطاب الوطني يقتضي أن يلد من بيئة ذات تكوين ”علماني“، يفصل بين الديني والدنيوي، ويجعل تدبير ”الدولة“ شأناً إنسانياً صرفاً، ويكون فيه أساس الحقوق هو ”المواطنة الشاملة“، وليس الحق المذهبي أو القبلي أو العائلي أو المناطقي!

الاستخدام النفعي

لا يحضر ”الوطن“ بوصفه متناً في أدبيات حركات الإسلام السياسي، والتي قد يعتقد البعض أنها هي من جعلت من ”الوطنية“ نبتاً أصيلاً في البيئة السعودية، فيما هي تستخدمه استخداماً مصلحياً، تتسرب من خلاله لقطاعات شعبية ليست من قاعدتها الأصيلة. من دون أن ننسى أن هنالك سياقاً تاريخياً، وثقافياً، يمكن من خلاله تتبع سيرورة ”المواطنة“ ونشأتها شيئاً فشيئاً كثقافة عامة في المملكة، حيث يمكن ملاحظة التالي:

1. مفهوم ”الوطنية“ كان مفهوماً حديثاً على المجتمع السعودي ككل. لأن هذا المجتمع عاش في ظل سطوة خطابات دينية تقليدية وحركية، محافظة، ترى ”الدين“ هو الإطار الشامل، وفي ”الأمة“ الحضن الواسع، وتعتقد أن ”الحدود“ هي خطوط وهمية من صنع الاستعمار، وبالتالي لا توليها أي أهمية. ولذا، نجد هذه النزعة العابرة للحدود، تجلّت في المشاركة في حملات الجهاد الأفغاني، والقتال في الشيشان، كما البوسنة والهرسك.

2. هذه العقلية الضيقة أثرت سلباً التعليم والمناهج الدراسية، والتي أتت فيها مادة ”التربية الوطنية“ متأخرة. وحتى عندما أُقرت، جعلت كمادة تكميلية، لا نجاح أو رسوب فيها، فضلاً عن أن المدرسين الذين يقدمونها لم يخضعوا لدورات تدريبية تجعلهم قادرين على الوصول إلى الأهداف التي يرام تحقيقها.

3. ”اليوم الوطني“، كان هو الآخر ”بدعة“ في نظر المتدينين المتشددين، وحتى وقت قريب كان يعتبر الاحتفال به مخالفاً لأحكام الشريعة. قلائل من العلماء كان لديه فهم مغاير لذلك، ومن ضمنهم العلامة الشيخ عبد الله بن بيه، الذي استعان به الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، من أجل ترسيخ ثقافة ”اليوم الوطني“ والاحتفاء بكيان الدولة.

4. الشعب برغم ذلك، كان يحملُ حباً لوطنه، وولاء لقيادته السياسية، ورغبة في العمل على تطوير الدولة، والمشاركة في التنمية. وهو حب فطري، طبيعي، نابع من تطلع الناس نحو الاستقرار والأمن والعيش الكريم، وليس وليد فكر سياسي أو قناعات ثقافية بمعناها العميق؛ ومن هنا يمكن أن يقال إن ”الوطنية“ كانت سلوكاً تلقائياً لدى عموم الناس، أكثر من كونها مفاهيم منظرٍ لها.

الاستثمارُ المسموم!

عندما بدأت التظاهرات تخرج في عدد من مناطق محافظات القطيف، تأثراً ب ”الربيع العربي“، العام 2011، شارك فيها بشكل رئيس مجاميع متأثرة بخطاب حركات ”الإسلام السياسي“، أو منضوية فيه، فيما بقي عدد من القيادات في موقع المراقب، ينتظرون اتجاه حركة الشارع، وإلى أين سنتنهي الاحتجاجات، لكي يستطيعون استثمارها بالشكل الذي يحقق أهدافهم.

كانت هذه القيادات تروّج إلى أنها ”محبطة من تأخر عملية الإصلاح“، أو أنها ”لا تمتلك القدرة على السيطرة على الشارع العام“، أو أنها ”تخشى عمليات التشهير والتسقيط الاجتماعي“، متناسية أن ”القائد“ هو من يكون صاحب اليدِ العليا، والكلمة المسموعة، والعقل الراجح، وهو من يوجه الجماهير، ويدعوها إلى الاستقرار واحترام القانون وحفظ النظام العام؛ لأن أي شخص يكون تحت سطوة الجماهير لن يكون قائداً، بل سيكون مُقاداً!

لقد كان هنالك ”رهان خاطئ“ على الفوضى، وهو الرهان الذي كان ثمنه باهظاً، لأن قيادات الإسلام السياسي، وتحديداً المنتمين لـ ”التيار الشيرازي“، كانوا يعتقدون أنهم من سيكونون مفتاحاً للحل، وأن أي تجسير للهوة بين المتظاهرين والجهات الرسمية ستكون بواسطتهم، وهو الأمر الذي لم يحدث، لأن العنف أخذ في الازدياد، والجهات الرسمية أخذت تفقد ”الثقة“ التي منحتها لهذه الرموز الدينية والحركية.

فوضى العنف

بدأت مجموعات منتمية لجهات عدة، بعضها ذو صبغة دينية: خط الإمام الخميني، والشيرازيون بتنوعاتهم المختلفة، يضاف إليهم خلايا ذات طبيعة منفلتة وإجرامية؛ بدأ هذا التحالف الهجين، في تبني خطاب راديكالي، عنيف، نتجت منه عمليات إرهابية، وقتل للمدنيين والعسكريين، واعتداء على الممتلكات العامة والحكومية.

كان المشهد يتضح يوماً بعد آخر، أن ”البندقية“ صارت صاحبة الصوت الأعلى، وأن فترة الصمت والمراقبة السلبية، جعلت المسلحين يختطفون المشهد، وتتعقد الحلول يوماً بعد آخر.

حسنة التيار الديني التقليدي في هذه الظروف، أنه، بعيداً عن خطابه ”المتخشب“ الذي لا يتواكب ونمط الحياة الحديثة، إلا أنه كان صادقاً في إيمانه بضرورة حفظ دماء الناس وأموالهم وأعراضهم؛ وإن كان بمقدوره أن يلعب دوراً أكبر في ترسيخ قيم السلم والاستقرار، وهي المهمة التي لم ينهض بها عدد من المنتمين له.

لم يكن هذا الإيمان لدى التقليديين نتيجة ”التقية“ كما يروّج الكثيرون، بل هي قناعة فقهية مبنية على أدلة شرعية وعقلية، فلا بد للناس من سلطة تدير أمورهم، وتنظم العلاقة بينهم، وإلا حصل الهرج والمرج وأريقت الدماء.

لقد أثبتت السنوات التي تلت العام 2011، أن الرهان على حركات الإسلام السياسي لم يكن في محله، وأن هذه التيارات لا تمتلك خطاباً جامعاً، وتفتقر للرؤية الحصيفة، وهي غير قادرة صراحة على مواجهة المتطرفين وخلايا الإرهاب والإجرام.

قد يتساءل البعض: هل البديل هو التيار الديني التقليدي؟

برأيي، لقد بدأ السعوديون في مختلف مدن المملكة في تجاوز خطاب علماء الدين، وهم اليوم يتحررون شيئاً فشيئاً من سطوة نفوذهم «حركيون وتقليديون»، ويعون أن بمقدورهم العيش من دون وصايات متعالية، وأن علاقتهم الروحية مع الله، هي أكثر يسراً مما يخيلُ لهم، وهم يستطيعون أن يمارسوا إيماناتهم المتنوعة من دون العيش في أقفاص مذهبية أو صناديق ضيقة.

الدولة السعودية تسير نحو تحقيق رؤية 2030، وهي رؤية طموحة، والطريق إليها لا يمكن أن يمر عبر علماء الدين، ولا من خلال التصنيفات المذهبية، وبالتالي فإن الانتماء الوطني الصرف، والانخراط في ورش الإصلاح والتغيير والتنمية، والتواصل الفعال والصادق والشفاف بين المجتمع المدني ومؤسسات الدولة، هي الصيغة الأكثر نجاعة، وعبر ذلك يمكن أن يمارس المؤمن قناعاته بحرية، على القدر ذاته الذي يمارس فيه غير المؤمن حياته من دون قلق، لأن الأساس هو الاحتكام للنظام، الذي منشأه القانون المدني الحديث، لا آراء التقليديين أو الحركيين من علماء الدين الذين سيجدون أن ”السامر“ انفض من حولهم، وأن حركة التاريخ لا تنتظر أحداً!