آخر تحديث: 13 / 5 / 2021م - 6:25 م

سلمى مرشاق سليم.. سيدةُ النبلِ والصبرِ الجميل!

حسن المصطفى * صحيفة العربية نت

منذ أن أقمت في العاصمة اللبنانية بيروت، العام 2004، لنحو 5 سنوات متتالية، كانت ساحة الغبيري، بضاحية بيروت الجنوبية، مقصداً شبه يومي لي.

​قصر آل سليم، حيث يقيم الصديق الراحل لقمان سليم مع عائلته، هو محط رحالنا. هنالك في البيت المطل على حديقة جميلة، طالما جلسنا تحت أشجارها في مساءات حافلة بالقصص والنقاشات والضحكات.

المنزل الذي حوله لقمان إلى مختبرٍ حقيقي، ومركزاً لنشاطات عدة، ومقراً لمؤسسة ”أمم“، في ذلك الفضاء الأثير، كانت والدته السيدة سلمى مرشاق سليم، تقيم بهدوء، دون أي ضجيج.

​أستطيع أن أقول إنني زرت المنزل مئات المرات طيلة سنوات، وقضيت مئات الساعات، دون مبالغة. إلا أنني مرات قليلة جداً قابلت فيها السيدة سلمى، بشكلٍ عرضيٍ وسريع. قد يكون ذلك من سوء حظي، أن لا أنسج علاقة مع الأم المثقفة، الرصينة، التي نشأت في مصر، لأبٍ سوري من قرية ”النبك“، وأمٍ لبنانية من قرية ”جون“، لتتزوج لاحقاً المحامي والنائب الراحل السيد محسن سليم، إبن ”حارة حريك“.

السيدة سلمى، التي تنتمي اجتماعياً لـ ”شوام مصر“، هي نتاج تلك الثقافة المتنوعة، المركبة في هويتها من عناصر عدة، من أبويين مسيحيين، من دولتين مختلفتين، لترتبط تالياً بشخصية مسلمة شيعية، دون أن يُشكل لها الإنتماء الديني والطائفي حاجزاً يحول دون أن تجترح حياتها الخاصة، وتربي أبناءها في أجواء مدنية، علمانية، تتصف باحترام الآخر، وتنوع الثقافات.

​إبنها الراحل لقمان سليم، الذي اغتيل في الجنوب اللبناني، 4 فبراير الجاري، هو الآخر صنيعة هذه الثقافة المتنوعة. اللبناني الذي درس في فرنسا، وتزوج بسيدة ألمانية، مونيكا بورغمان، وتشرب بالثقافة الليبرالية الأوربية والإمريكية، في ذات الوقت الذي استملك فيه ناصية اللغة العربية، وتابع ثقافتها وآدابها المعاصرة، والتراثية؛ لقمانُ كان مُكوناً طبيعياً وأصيلاً لهذه البيئة المنفتحة، المتجاوزة للهويات الضيقة، ولذا تجد في منزله أصدقاء وزوار من دول وأديان ومذاهب وتيارات وأفكار مختلفة.

سليم الذي كان شخصية جدلية، سواء كمثقف وناشر وكاتب، أو كسياسي صريح وناقد شرس لـ ”حزب الله“ وللتركيبة السياسية للحكم في لبنان وسورية وإيران، وأيضاً مؤمن صلبٍ بالمجتمع المدني وحقوق الإنسان والحريات الشخصية؛ سليم الذي شغل الكثيرين بالنقاش حول أفكاره في حياته، استمر الجدلُ حوله حتى بعد عملية اغتياله، وهو نقاش طبيعي، غير مستغرب، يصاحبُ سيرة الشخصيات غير التقليدية، المتجاوزة للأنساق، والمنقلبة عليها.

​أن تكون أفكار الراحل لقمان سليم، محل قبولٍ ورفضٍ، ذلك أمر صحي. إلا أن ما يثير القلق، هو الشتائم التي تقرأها في مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً ”تويتر“ و”فيسبوك“، أو الرسائل التي تتداول عبر ”واتس أب“.

​هذه الشتائم جرسُ إنذار، ينبئ عن حالة التردي الأخلاقي التي وصل لها النقاش بين الفرقاء السياسيين في لبنان، والتخاصم حد الفجور.

​المناقبية الأخلاقية، وشيمُ الفرسان النبلاء، الذين يقفون بإجلال أمام جنائز خصومهم، وينحنون أمام دماء أعدائهم، ويخلعون القبعات ويطأطئون الرؤوس عندما يقتل من كان منافساً مقداماً لهم، هذه القيم العُليا لا نجدها، بل وكأنها اختفت من الوجود تماماً هذه الأيام!

​هنالك حفلة من التشاتم والتشفي، وهنالك ردة فعل مقابلة، وكلا الأمرين خلاف اللياقة الأدبية، ويثير القرف والإشمئزاز.

​لقمان سليم مثقف شجاع وصادق، والمسباتُ لن تنقص من مكانته شيئا، والدفاع عنه باللسان السليط لن يرفع من مقامه.

وسط حفلة الجنون هذه، نحن بحاجة لأن نتعلم ونستلهم من والدته، السيدة سلمى مرشاق سليم، الأم التي رأت دم ابنها ينسكب، إلا أنها رغم ذلك، كانت قوية، صابرة، بعيدة عن الغرائزية.

​أثناء لقاء قناة ”الحدث“ مع السيدة سليم، كانت تقول: ”الناس الحضاريون يتحاورون، يتناقشون، من الممكن أن يختلفوا في الرأي، لكن ليس اللجوء إلى السلاح هو الحل“. مضيفة ”نحن أناس حضاريون، ولسنا حيوانات في الغابة.. الحيوانات في الغابة تأكل بعضها“.

​كان بمقدور السيدة المكلومة أن ترفع صوتها بالويل والثبور، وتشتم القتلة، وهذا حقها الذي لن ينازعها عليه أحد. إلا أنها لم تكن كذلك، بل تصرفت بسجيتها، وفق تربيتها التي نشأت عليها، وأفكارها التي آمنت بها، كاشفة عن مقدار كبير من الحكمة والبصيرة.

السيدة سلمى، وفي حديث لـ ”صوت بيروت“، ذهبت في نُبلها إلى أن ساءلت القتلة: ”ماذا استفادوا؟ أضاعوا طاقة كانت موجودة للبنان“. وهي في مساءلتها هذه، تحاول التفريق بين ثقافتين، واحدة عبرت عنها بقولها ”نحن تربينا أن العلم والفكر والأخلاق أهم حاجة. الدنيا تعارضنا فننكفئ، ونجلس في بيتنا نقرأ“، وأخرى كان القتلة يمثلونها، قوامها رفض الآخر وإعدامه!

الوفاء لذكرى لقمان سليم، تتطلب أن تتراجع الغرائز، وتتوارى الشتائم، وأن يعي المحرضون أن هنالك أماً ثكلى، وزوجة فقدت رفيق دربها، وأختاً لن تجد بقربها سندها ومعلمها، وأخاً هنالك في باريس اشتاق لصوت أخيه، وعائلة لها حرمتها، ومثقف اغتيل غدراً وبدمٍ بارد، لا لشيء إلا أنه رفض أن يكون تحت وصاية الآخرين، وقال رأيه بشجاعة ودون مواربة.