آخر تحديث: 13 / 5 / 2021م - 6:25 م

عبد الله أمان.. قلم لامع من نجوم الأمس

عبد العظيم شلي

أعبر دروب الديرة حافيا، استأنس بالظلال ورائحة التراب، قدماي تنبش سطح الأرض ركضا، ”تفحيط“ متعمد بالأرجل، نزق طفولي وعبث، قال لي شاب بكامل هندامه «لا تغبر علينا ياولد، روح لمك خليها تسبحك في العين»، اعرفه ولد ”أمان“ كان جالسا بجوار أخيه صالح بالقرب من مدخل مسجد عين العودة، باعة يفترشون الأرض وقت العصاري، بسطات من الحلويات ولعب الاطفال، ألوان من البسكويتات، أصوات القروش ترن بين بائع ومشتري، تختلط أصوات الواقفين بعابري السوق، عنادي يتواصل برفع طبقة أكثر من الغبار الذي حجب رؤية الوجوه الجالسة، نهرني بقوة ولد أمان، وقف غاضبا وهم بالإمساك بي، هربت منه خائفا وانطلقت مسرعا نحو عين العودة الغاصة بالنسوة، رأيت امرأة تغسل ملابسها وبجوارها شابة تدعك شعرها بالطين الخويلدي، وأخرى تفرك ظهر زميلتها ”بالشملة“، حراك المستحمات إيقاع بهجة والماء مسرة، انظر في وجههن لعلي أرى أمي بين النسوة، قالت لي جارتنا أم عبد «انچان ادور أمك تلاقيها في الحلقوم او في الطرفاية روح ليها يمكن تغسل هناك»، لم تنهرني أية واحدة بأن ابتعد عنهن، منظر النسوة رؤية براءة، لم أظهر بعد على عورات النساء.

كنت أعرف بأن والدتي لم تكن بين المستحمات.

خرجت من المدخل الغربي لمحيط العيون، عابرا بين جدار عين هرهر وعين العوينة، خوفا من ولد أمان، متحسبا أن يراني ثانية.

أنظر لقلعة تاروت الشامخة والمحيطة بعين العودة من الجهة الجنوبية والغربية، داعبني خيالي أمنية لو كان عندي جناح، واحلق عاليا كالعصفور وأحط فوق برجها الأكبر حتى لا يمسك بي أحد.

الله أكبر الله أكبر، عند أذان المغرب رأيت ولد أمان يتوضأ عند درج حمام تاروت رمقني بنظرة غامضة ولم ينبس ببنت شفة، وتساءلت هل سامحني أم أن دخول مسجد الحمام لتأدية الصلاة نهته عن توبيخي.

كلما مررت الدروب وأنحاء السوق أتحاشى رؤياه تحسبا بأن يمسك بي ذات مرة وربما يضربني.

مع الأيام آمنت لقدومه ورواحه عبر الأزقة والساباط.

كلما ألتقيه ألحظه يتأبط كتابا أو مجلة - العربي وقافلة الزيت -، ذات مرة استمعت إلى بعض من كلامه عند الخباز ”أبو حسين قيس“، يتحدث عن أسماء كتب، وعن المؤلف والتأليف والقلم، كلام لم أعرف كنه.

مضى الوقت وأشرف عام 1970 على الانتهاء، قارب عمري العشر سنوات وبضعة أشهر.

صباح يوم جمعة تسللت لمكتبة نادي النسر في وسط السوق وإذا بي أرى ولد أمان يكتب على ورقة بيضاء كبيرة المقاس، مخططة بالأشكال الهندسية تارة يمسك بالأقلام الملونة وتارة يكتب بقلم الحبر، راقبته مع زملائي علي الحمام وأحمد عاشور وعبد الغفور المرزوق، كان مشغولا عنا، بعد لحظات علق الورقة البيضاء وثبتها بالدبابيس على الجدار، جاء رئيس النادي عبد الحسين زمزم وقال له ما شاء الله عليك يا عبد الله صحيفة جديدة، تحت عنوان ”الحياة“، تحتوي مواضيع وأسماء ورئيس التحرير عبد الله أمان.

كلما دخلت المكتبة انظر للأعضاء الذي يتحلقون أمام الصحيفة وهم يقرؤونها بشغف، في كل شهر تتغير الصحيفة بأخرى، مشهد يتكرر باختلاف المواضيع والشكل وبعبارة متلازمة صحيفة شهرية تصدرها اللجنة الثقافية بنادي النسر بتاروت.

ثلاث سنوات أرى عبد الله أمان حاملا كرتونة يخرج بها من بيتهم الملاصق للبيت الجشي بالديرة، أتتبعه وإذا به يصعد سلم النادي على عجل، يختمها بالختم الرسمي بجوار تاريخ الإصدار، ثم يثبت الصحيفة الجديدة وينزل القديمة ويلفها مع الأعداد السابقة، كنت أتأمل واتهجئ العناوين واقرأ بعضا من سطور.

بعدما اتحد الناديان اللدودان النسر والنصر، زاد حراك النادي الجديد «الهدى» في جميع الأنشطة، أسماء ووجوه من كلا الناديين يحررون صحف بكثرة، لكني لم الحظ وجود عبد الله أمان بينهم!

ولم أدري ما هو السبب، ربما غير راض عن الاتحاد أو لم يندمج مع الوجوه المختلفة فآثر الانسحاب، الأقرب حسب ما فهمت من أعضاء النادي بأن تخرجه من معهد المعلمين عام 1973 وتعيينه في إحدى المناطق النائية هو من أبعده عن أجواء النادي.

سجل الهدى 1976 وظننته سوف يأتي مثل كثير من الذين ابتعدوا بعضا من الزمن ولكن حينما اعتمد النادي رسميا عادوا متفاعلين مع جميع الأنشطة إلا ولد أمان الذي كنت أراه دائما عاكفا على تحرير الصحف الحائطية لم يكن بينهم، لقد انقطعت أخباره عني ولم أعد أراه.

شيئا فشيئا غابت صورة عبد الله أمان عن الحضور الشبابي.

مرت السنون ونادرا ما ألتقيه، أتذكر مرة واحدة رأيته في صالة مركز الخدمة الاجتماعية في أحد معارض جماعة الفن التشكيلي بالقطيف دار حوار بيننا بشيء مقتضب حول الذكريات، وبعد اللقاء اختفى عن ناظري وطال الغياب.

لكن ظلت صورة هذا الإنسان عالقة في بالي طوال الوقت.

صدفة صباح هذا اليوم الإثنين الماطر بالخيرات وبينما كنت واقفا في أحد محلات قطع غيار السيارات بالصناعية اطلب غرضي، دخل علينا رجل وسلم، رددنا عليه السلام، ونظرت إليه بنظرة عابرة وبحكم الكمامة التي تغطي نصف الوجه، عاودت الالتفاف إليه متفحصا ومشككا في الملامح لكن نبرة الصوت لذات الرجل الذي أبحث عنه طوال هذه السنين، حدسي لم ينسى شخصه الكريم، واسمه عن البال ”أستاذ عبد الله أمان كيف حالك“ قال: «أهلا ومرحبا»، قلت له ”يا أستاذي أني أبحث عنك منذ زمن، وسألت عنك ابن أختك شاكر درويش ودلني على ورشتك التي تمتلكها وتتواجد فيها لكني نسيت اسمها وضيعت مكانها“ وصفها لي في الحال وانفتح الكلام على مصراعيه دار الحوار بين الحرف والمقالات وذكريات نادي النسر قبل 50 عاما، ذكرته بكل الصور القديمة التي احتفظ بها عنه، وأكدت له بأني أقرأ له بعضا من كتاباته المتفرقة التي تصلني من الأصحاب عبر الواتس وأبديت إعجابي بها، وطالبته بنشرها في الصحف المحلية مثل جهينة أو القطيف اليوم، لتصل أكبر عدد من الناس، أبدى بعض التحفظ ممزوجا بالتواضع، قال ما هي الوسيلة لإرسال المقالات، قلت له سوف أعطيك عناوين مسؤولي ومحرري الصحف قال حسنا، افترقنا بفرح غامر والسماء تبللنا بمطر الفرح.

عند العصر اقرأ له مقالا منشورا بعنوان «تراحم أم تزاحم»، سررت بالمقال والمزواجة بين مفهوم المفردتين في إيضاح المعنى، مستعينا في تأويل النص بما رآه من صور الأمس.

كم أتمنى أن تجود علينا يا أستاذ عبد الله أمان من مزن قلمك البارع، أتحفنا بذكرياتك العطرة وبخواطرك الشيقة وبكتاباتك النيرة، وبرؤياك المستأنسة محبة وحبورا.

يا أستاذ عبد الله أمان لن أتخفى عن ناظريك لتنهر نزقي الطفولي، لن أدلف لماء عين العودة التي جف ماؤها منذ زمن، اكتب فنحن عطاشى لحبر قلمك، سوف أقرأ لك بكل محبة وسرور كأني للتو اقرأ تهجيا صحيفة الحياة بالأمس التي كانت يداك تخططها شكلا وتخطها حرفا، اكتب فكل منا له رؤياه الخاصة، وتجربته في الحياة.

يا أستاذي الكريم كما أنا مدين لقلمك ولكل الأقلام التي كانت تكتب معك، من أمثال د. أحمد فتح الله، وأستاذ علي الخباز وغيرهما، كتابات هي من علمتني صياغة الحرف بطريقة غير مباشرة، كان بودي اليوم أن أصافح يدك لاستشعر نبض كتاباتك القديمة التي تربينا عليها في زمننا الأجمل.

بطاقة تعريفية:

أ. عبد الله بن حسن أمان، مدرس لغة إنجليزية، متقاعد من الهيئة الملكية بالجبيل الصناعية،

المؤهل: بكالوريوس مزدوج - لغة إنجليزية، الاتصال والخطابة، جامعة شمال تكساس الحكومية «الرسمية».

إن كان اليوم حمل لي يا أستاذ عبد الله أمان مفاجأة حين رأيتك، وفرحتي الغامرة بلقائك، لن أكتم سرا، سوف ترى يوما أغلب صحفك القديمة التي يظن بأن الأيام أضاعتها سوف أزيح عنها غبار الأمس في القادم من الأيام، وسيطلع عليها الجميع.