آخر تحديث: 13 / 5 / 2021م - 6:25 م

معرض كتاب في شارع

يوسف أحمد الحسن *

شارع يضرب بأطنابه في عمق التاريخ حتى يصل إلى عصور الدولة العباسية ويستمر حتى اليوم مرورا بعشرات الحكام الذي أضفى كل منهم عليه من طابعه ومزاجه، كما غير من اسمه وعمارته. إنه شارع المتنبي في بغداد الذي يعرف باحتوائه على عدد كبير من المكتبات العريقة ودور النشر وما يتعلق بهما كالمطابع والمقاهي والمنتديات الثقافية.

ورغم أن طول الشارع لا يصل إلى الكيلومتر الواحد، إلا أنه ظل منارة فكرية وثقافية في العراق لمدد طويلة رغم ما اكتنف بعض الفترات من وهن وخفوت. ولا نتحدث هنا عن شارع نموذجي في العمارة وأساليب مثالية في عرض الكتب، بل عن المحصلة النهائية لهذا الشارع الذي تعرض فيه بعض الكتب على رفوف منظمة وأخرى على الإسفلت الحار أمام المارة، وبعضها على عربات متنقلة أحيانا، لكن الإقبال عليه ظل متواصلا حتى إن مرت عليه بعض سنوات القمع وتكميم الأفواه.

ويعتبر هذا الشارع علامة فارقة في العاصمة العراقية حتى قيل إن زيارتها لا تكتمل إلا بزيارته، ذلك أنه من المبهج حقا للمرء أن يجد شارعا مخصصا بكامله للكتب والقراءة أسوة بشوارع أخرى خصصت لأمور أقل أهمية. ومما يميز كتب هذا الشارع أنها تتناسب مع مختلف الأذواق، حيث تبدأ أسعاره من أقل من دولار واحد لتصل إلى عشرات الدولارات ومئاته، كما تتنوع كتبه بين الفاخرة والمستعملة وحتى الممزق منها، متضمنة المخطوطات القديمة والقيمة.

ويعطي هذا الشارع درسا لبعض مخططي المدن في أهمية الأخذ برغبات الناس حين تصميمها، لأن العمارة حينما تكون أم الفنون، فهي أيضا مرآة صادقة تنعكس عليها ثقافة الشعب ونهضته، وكما أنها تؤثر في ثقافة المجتمعات، فهي أيضا تتأثر به. وكما يقوم مسوقو بعض المنتجات الاستهلاكية بتشجيع الناس على التبضع، يمكن للعمارة أيضا أن تمارس دورها الهام في دفع الناس لشراء الكتب والقراءة. وكما يتم اقتراح توزيع مكتبة البيت على جميع الغرف والصالات فيه لكي تكون قريبة من أفراد الأسرة في كل وقت، فإن العمارة يمكنها أن تفعل الشيء نفسه لكن على مستوى المدن فيما يسمى أنسنة المدن، حيث تتعاطف المدن مع كافة طبقاتها ومكوناتها وأفرادها كما كان يحصل دائما في شارع المتنبي، بعيدا عن تسليع العمارة وتشيؤها.

وعندما يشعر الرياضيون بحنين لأرض الملعب حتى إن كبروا وعجزوا عن الرياضة، وتتهلل وجوههم حين المرور بالملاعب الرياضية المتوزعة في أنحاء المدن، فحري بنا أن نرى في مدننا أمرا كهذا فيما يتعلق بالكتب والمكتبات، حيث يتم خلق حالة من الحب للكتب والقراءة، كما يتم خلق الروح الاستهلاكية لديهم لأمور أخرى.