آخر تحديث: 14 / 5 / 2021م - 12:33 م

حجم الذات

محمد أحمد التاروتي *

يمارس البعض ادوارا تتجاوز الاحجام الحقيقية، سواء نتيجة الشعور بالقوة ”الكذابة“، او بسبب الدعم الخارجي، مما ينعكس على المواقف تجاه الاخرين، الامر الذي يولد حالة من ”التضخم“ غير المتوازن، لاسيما وان الانخراط في لعبة ”الذات“ الكذابة سلاح ذو حدين، فتارة تؤتي ثمارها عبر الصعود الصاروخي على حساب الاخرين، وتارة اخرى تكون وبالا وخسارة كبرى، جراء عدم القدرة على تسويق ”الذات“ المتضخمة على البيئة الاجتماعية، الامر الذي يستدعي احتساب الخطوات بدقة، قبل اتخاذ القرارات المصيرية.

تجاهل التاريخ المشحون بالانتكاسات والهزائم المتتالية، ومحاولة استبدال الصفحة ”السوداء“ باخرى مملوءة بالانتصارات، مخاطرة كبرى وغير مضمونة النتائج، خصوصا وان الذاكرة الشعبية تلعب دورا اساسيا في ”افشال“ تلك المساعي المنشودة، فالبيئة الاجتماعية تمتلك رصيدا كبيرا من التاريخ ”الاسود“، مما يجعلها غير قادرة على هضم ”تبيض“ الصفحة، الامر الذي يتمثل في نشر التاريخ الأسود لتلك الفئات المتضخمة، بهدف قطع الطريق امام محاولات القفز على التاريخ الحقيقي، للحيلولة دون التلاعب بالمشاعر الاجتماعية، والعمل على رسم خط واضح يعتمد على الحقائق والانصاف، والابتعاد عن ”النفاق“ والمجاملة، لاسيما وان السكوت يمثل جريمة كبرى ستبقى اثارها ماثلة للاجيال القادمة.

تضخيم الذات وتبنى مواقف غير حقيقية، يمثل احدى الاساليب المتبعة لخداع البيئة الاجتماعية، فالبعض يحاول تجاوز التاريخ ”الفاشل“ بمواقف رجولية، بهدف اكتساب التأييد واحداث اختراق في البيئة الاجتماعية، لاسيما وان الاضاءة على التاريخ القديم ينسف جميع التحركات الهادفة لتبيض ”صفحة الذات“، بمعنى اخر، فان تضخيم الذات يعتمد على الادوات المستخدمة للتسويق، فتارة تكون العملية بطريقة مباشرة عبر تسليط الضوء على التاريخ، ومحاولة صنع احداث غير واقعية، وتارة اخرى تكون بواسطة غير مباشرة، من خلال تجيير مختلف الوسائل في سبيل تسويق الذات، وصنع تاريخ وهمي، وتبنى انجازات غير حقيقية، الامر الذي يسهم في احداث حالة من الانبهار في البيئة الاجتماعية.

العيش في عالم ”خيالي“، ومحاولة القفز على الواقع المعاش، بالاضافة لتجاهل الحقائق على الارض، عناصر دافعة لتضخيم الذات، فتارة تكون العملية محدودة ضمن النطاق الجغرافي الضيق، وتارة اخرى تتوسع الدائرة لتشمل المساحة الجغرافية الواسعة، بيد ان الاختلافات تكمن في التداعيات المترتبة على تلك السلوكيات، فاذا كانت ضمن الحدود الجغرافية المحدودة، فانها ستكون صغيرة، وضمن حقبة زمنية محددة، ولكنها ستكون اكثر خطورة بمجرد تحولها من الاطار المحدود الى النطاق الواسع، خصوصا وان تضخيم الذات مرض قادر على الانتشار في البيئات المريضة، مما يؤسس لبث ثقافة غير صحية في الكيان الاجتماعي.

معرفة القدرات والكفاءات الذاتية، عنصر اساسي في الابتعاد عن ”التضخيم“، فالانسان الذي يتحرك وفق الامكانيات المتاحة، يتحاشى الدخول في اماكن خطرة، انطلاقا من قناعات بضرورة رسم خطوط واضحة في الحياة، نظرا للتداعيات التدميرية على الذات أولا، والمجتمع ثانيا، من السلوك غير الصحي لتضخيم الذات، فالتضخيم يصيب الانسان بحالة من الغرور والتكبر، فضلا عن انتهاج ثقافة ”النكران“ عبر الهروب من الواقع الحقيقي، والعمل على تسخير الاخرين في سبيل، بينما تقدير الذات والحرص على التعامل مع الواقع والحقائق، يكرس الحالة الايجابية والتصالح مع الذات، ”رحم الله امرئ عرف قدر نفسه“، وبالتالي فان التعامل مع الذات بما يتوافق مع الذات، ينم عن تقدير الذات واحترام النفس، عوضا من الهروب وراء اوهام غير واقعية.

كاتب صحفي