آخر تحديث: 14 / 5 / 2021م - 12:33 م

النبرة العالية

محمد أحمد التاروتي *

يتخذ البعض النبرة العالية وسيلة لاسكات الاخرين، ومحاولة الهيمنة على القرارات، والتحرك بحرية تامة، خصوصا وان الصوت المرتفع يقضي على الاصوات المعتدلة، والعديد من القرارات الحكيمة، مما يؤسس لمرحلة فوضوية وغير مستقرة، من الممارسات العملية، لاسيما وان ”الصمت يمثل الخيار المناسب“ لتجنب التعاطي مع انصاف العقلاء، واصحاب القرارات الانفعالية، الامر الذي يقود لاخلاء الساحة من الاصوات الحكيمة، سواء نتيجة عدم السماح لهذه الفئات، بممارسة دورها الإصلاحي، في البيئة الاجتماعية او بسبب التعتيم الاعلامي على هذه النوعية، من الاصوات المعتدلة، مما يفسح المجال امام الاصوات النشاز في البروز بشكل غير منطقي.

اللجوء الى النبرة العالية مرتبط أحيانا، بالخشية من وصول الاصوات المعتدلة، للفئات الاجتماعية، مما يدفع لمحاولة ازاحتها من الساحة بمختلف الطرق، فاكتشاف القدرات المتواضعة وعدم القدرة على مجاراة الفئات الحكيمة، يضع اصحاب الاصوات المرتفعة في موقف لا تحسد عليه، مما يدفعها لمحاولة التحرك بشتى السبل، لقطع ”الهواء والماء“ عنها في جميع المناسبة، بهدف الاستحواذ بالساحة والعمل على التشكيك، في جميع تحركات الاطراف المعتدلة، تارة عبر الضرب في نوعية الخيارات المعتمدة، وتارة اخرى بواسطة التشكيك في قدرة الخيارات، في الوصول الى اهدافها.

النشوة المصاحبة للسيطرة على الساحة الاجتماعية، جراء انسحاب الاصوات العاقلة، تمثل محفزا لممارسة المزيد من التصرفات، والعديد من الممارسات الفوضوية، لاسيما وان ”الصراخ“ يمثل الطريقة الوحيدة لاثبات الذات، فيما الاطراف الاخرى تحاول تجنب اثارة الضجيج في الساحة الاجتماعية، مما يدفعها لإنتهاج مبدأ السكوت تفاديا لنشر ثقافة الفوضى، والصراخ في الممارسات اليومية، بيد ان السكوت يفهم لدى اصحاب النبرة العالية، كنوع من الخوف وفرض السيطرة، الامر الذي يشجع على السير قدما، في هذه السياسة ”الفوضوية“ وغير الاخلاقية.

السيطرة على التصرفات صفة أخلاقية، غير متوافرة لدى الجميع، فهي تبرز لدى اصحاب العقول الراجحة، فيما تنعدم لدى ارباب النبرة العالية، الامر الذي يكشف الفرق في اكتساب المحيط القريب والبعيد، فاصحاب الاصوات المعتدلة يجدون التقدير والاحترام، من الكثير من الفئات الاجتماعية، نظرا لامتلاكهم القدرة على امتصاص موجات الغضب، ومحاولة تبريد المشاكل بطريق مختلفة، فيما اصحاب النبرة العالية يواجهون المواقف بمزيد من الصراخ والفوضى، مما يكشف الكثير من الصفات الشخصية، بحيث تبرز على شكل النفور السريع، ومحاولة تجنب هذه النوعية من الفئات الاجتماعية، " مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ ‏ ‏ الكير ‏ ‏ فحامل المسك إما أن ‏ ‏يحذيك ‏

‏وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة ".

محاولة الظهور بمظهر الوداعة والعقلانية في التعاملات اليومية، سرعان ما تتلاشى بمجرد بروز مواقف اجتماعية، حيث تفرز القضايا الاجتماعية الفئات المتوازنة والحكيمة، من الشرائح المتهورة والفوضوية، وبالتالي فان اكتشاف اصحاب النبرة العالية لا يتطلب الكثير من الجهد، فالمواقف الاجتماعية تخرج المعادن الحقيقية للفئات الاجتماعية، ”ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب“، بمعنى اخر، فان التعاطي مع الاصوات المرتفعة يزيد من الفوضوية، ويمنع الوصول الى الحلول التوافقية، القادرة على اعادة الامور لنصابها، الامر الذي يستدعي الحذر في التعامل مع هذه النوعية من البشر، باعتبارها مرض اجتماعي قاتل، بحيث لا يصيب فئات محددة، ولكنها قادر على الانتشار، ونشر هذه الممارسات على نطاق واسع.

الاصوات المرتفعة قادرة على استحواذ على الساحة لبرهة زمنية، ولكنها لا تمتلك مقومات الاستدامة والاستمرار، خصوصا وان التصرفات الفوضوية تدفع باتجاه النفور، مما يسهم في اصلاح الاعوجاج، ”لا يصح الا الصحيح“، وبالتالي فان الاصوات العالية تعمل على شويش الرؤية الاجتماعية، بشعارات وتصرفات هوجاء، ولكنها تصاب بالاحباط والاصطدام، بحائط الوقائع على الارض، مما يدفعها لمحاولة المشاغبة الدائمة لاثبات الذات، وعدم الاعتراف بالفشل في فرض الإرادة، على الواقع الاجتماعي.

كاتب صحفي