آخر تحديث: 18 / 9 / 2021م - 1:28 م

مراكز الدراسات والتفكير المستقبلي

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

”نحتاج إذاً إلى «التنظير» الحقيقي لخدمة الرؤية العربية السياسية والحضارية، خصوصاً الرؤية السعودية، لخلق «نظرية» حولها، تحميها من الاستهداف الخارجي والتسطيح الداخلي“.

الاقتباس أعلاه من مقال للكاتب مشاري الذايدي، بعنوان ”بلاش تنظير علينا“، نشرته الزميلة ”الشرق الأوسط“ 10 مارس الجاري.

الذايدي في مقالته تحدث عن أهمية وجود مراكز دراسات، تساهم في رفد السياسات الداخلية والخارجية، وبناء الأفكار، معتبراً أن صناعة الوعي الاستراتيجي، لا تتأتى عبر ”تغريدة على «تويتر» أو مقطع على «سناب شات» أو ثرثرة على «هاوس كلوب» أو منشور على «فيسبوك»“.

المملكة العربية السعودية دولة محورية في الشرق الأوسط، وهي في ذات الوقت حجر زاوية في سوق الطاقة العالمي، وأيضاً كيانٌ ينظر له المسلمون في أصقاع العالم باحترام وتقدير كبيرين، وشوقٍ إلى القدوم إليهِ من أجل زيارة الأماكن المقدسة في مكة والمدينة.

دولة بذات الأهمية السياسية، والاقتصادية، والروحية والثقافية، والأمنية أيضاً في مجال مكافحة الإرهاب؛ تتعرض كما أشار الذايدي لهجوم خارجي من جهات عدة، وذلك أمرٌ طبيعي، فلاعب سياسي مؤثر بحجم الرياض، سيكون لها أعداء ومنافسون، وآخرون لا يريدون لها أن تتقدم علمياً وحضارياً، ويفضلون أن تكون مجرد مستهلك!

مراكز الدراسات وبيوت الأفكار، ليست مقارَ تنظير رغبوي، أو خيار لك أن تأخذ به أو تتركه، هي ضرورة ملحة لبناء أي استراتيجية، يراد لها النجاح. لأن أي مشاريع لا بد أن يخطط لها بشكل سليم، وهذا التخطيط يجب أن يبنى على وعلم وبيانات وتحليل، وهي عملية لا يمكن أن تتم دون أدوات معرفية محايدة، غير منحازة، ودون أحكامٍ مسبقة، وإلا كانت هذه الأفكار موجهة، وبالتالي لن تحقق المخرجات العلمية الدقيقة، ما يعني أن المشاريع المستقبلية سيشوبها الخلل.

بيوت الأفكار في السعودية والخليج قليلة جداً، والجادُ منها يعمل بصمت، في دراسات محكمة، واستشارات خاصة، وإصدارات ذات طابع غير جماهيري، وهي اليوم تعدُ رافداً لصُناعِ السياسات. إلا أنها في ذات الوقت محدودة التأثير، لأسباب عدة، أحدها كون الرأي العام الطاغي أصبح في ”شبكات التواصل الاجتماعي“ يؤثر بشكل ضاغط نحو صناعة عاطفة حماسية جماعية، هي إيجابية في نزعتها الوطنية، إنما تفتقر للعمق والعقلانية والهدوء وبُعد النظر.

الصراع مع إيران وأذرعها في المنطقة العربية، والحرب على الإرهاب، ومواجهة الفكر الأصولي، وفهم طموحات الجيل الجديد الشاب في الداخل، وكيفية بناء علاقات دائمة قائمة على الندية مع الخارج.. وسواها، جميعها قضايا تحتاج لنقاش ورؤى متعددة، استشرافية، تنتجها عقول مهمتها الرصد والتحليل والمتابعة والربط بين المعلومات والمتغيرات، والبعد عن الانفعالات التي تجعل التفكير معوجاً. وهي مهام هنالك كوادر وطنية مؤهلة للقيام بها، متى ما منحت الفرصة، وبنيت بيوت ”الخبرة“ بشكل مستقل، يجعلها قادرة على التفكير من خارج الصندوق، من أجل تحقيق رؤية 2030، وبناء دولة مدنية قوية ومنتجة، قادرة على التكيف مع المتغيرات ومواجهة الأزمات وتقلب السياسات الدولية.