آخر تحديث: 14 / 5 / 2021م - 12:33 م

المسؤولية الأخلاقية

محمد أحمد التاروتي *

الوصول الى المناعة الجماعية، والعودة الى الحياة الطبيعية، على ظهر كوكب الأرض، يتطلب الكثير من الجهد من لدن الحكومات والمجتمعات البشرية، بالإضافة الى التوزيع العادل للقاحات المضادة لفيروس كورونا، خصوصا وان الالية الحالية غير قادرة على توفير الكميات اللازمة لتسريع عملية التطعيم، سواء نتيجة محدودية اللقاحات المستخدمة، او نتيجة صعوبة مضاعفة الإنتاجية من تلك اللقاحات المعتمدة، فضلا عن احتكارية الدول الغنية على حصة الأسد على اللقاحات، نتيجة توافر القدرة المالية، للتعاقد على تخصيص كميات كبيرة مع الشركات المنتجة، فيما تواجه الدول الفقيرة صعوبات جمة، في الحصول على الحصص اللازمة، للبدء في مشروع التطعيم.

مناشدات منظمة الصحة العالمية، للشركات المالكة للحقوق بضرورة التعاون، مع الجهات المنتجة لتوفير الكميات اللازمة، لتوزيعها على الدول الفقيرة، لا تجد أصداء كبيرة، مما يزيد من حجم المعاناة، وارتفاع اجمالي ضحايا الفيروس، وبالتالي استمرارية تفشي الوباء لفترة طويلة، خصوصا وان المؤشرات توحي بظهور الموجة الثالثة في بلدان أوروبية، مما يعيد المخاوف من عودة رؤية مئات التوابيت في الشاحنات.

سيطرة المنطق التجاري على الجانب الأخلاقي، يشكل معضلة حقيقية في صعوبة توفير اللقاحات، على المستوى العالمي، فالالية الحالية تجعل عملية التلقيح للشعوب البشرية بطيئة للغاية، بحيث تتطلب سنوات عديدة، خصوصا وان اعداد التطعيم على المستوى العالمي، لا يتجاوز 8 مليون لقاح يوميا، فيما عدد سكان كوكب الأرض يصل الى 7 مليارات نسمة، وبالتالي فان عملية المناعة الجماعية ستكون غير متاحة خلال السنوات القادمة، جراء محدودية الكميات المتوافرة، للتطعيم على المستوى العالمي.

التعامل بمنطق الربح والخسار امر مشروع، بالنسبة للشركات المالكة للحقوق الفكرية للقاحات المعتمدة حاليا، بيد ان الجانب الأخلاقي يفرض نفسه في الظروف الاستثنائية والقاهرة، خصوصا وان الجميع تلمس الاثار الكبيرة الناجمة عن تفشي الوباء في العالم، وبروز العديد من الفيروسات المتحورة في الآونة الاخيرة، فالفيروس حصد نحو ثلاثة ملايين شخص منذ أواخر عام 2019، مما يجعل عملية وقف مسلسل الضحايا مسؤولية جماعية، الامر الذي يفرض على الشركات المنتجة التعاطي بمسؤولية أخلاقية، للوصول الى المناعة الجماعية، نظرا لعدم قدرة الدول الفقيرة على تحمل التبعات المالية، لشراء كميات قادرة على تغطية مواطنيها، مما يستدعي إيجاد اليات قادرة على إيصال اللقاحات بتكلفة قليلة.

جهود منظمة الصحة العالمية، لتخصيص كميات من اللقاحات للدول الفقيرة، خطوة هامة، بهدف لفت الانتباه للمنطق التجاري الذي تمارسه الشركات المنتجة، في التعامل مع الخطر الداهم، بيد ان الخطوات المتخذة من منظمة الصحة العالمية، ليست قادرة على توفير الكميات اللازمة، لوقف انتشار الفيروس لدى الشعوب الفقيرة، سواء نتيجة محدودية الموارد المالية، القادرة على شراء الكميات الكبيرة، او بسبب عدم قدرة الشركات على انتاج الكميات الكبيرة، مما يفرض توسيع نطاق الإنتاج وفتح المجال، امام الجهات المتخصصة للدخول في عملية الإنتاج، عبر المزيد من التعاون المشترك، بهدف تقليل التكلفة وتوسيع دائرة الإنتاج، وسهولة إيصال اللقاحات للدول الفقيرة.

الالية الحالية للشركات المالكة للحقوق الفكرية للقاحات، تواجه بانتقادات شديدة من لدن منظمة الصحة العالمية، وكذلك بعض الجهات الأخرى، خصوصا وان تجاهل النداءات الصادقة لابداء المزيد من المرونة، للتخلي عن جزء من الحقوق الفكرية، يحمل تلك الشركات جزءا من المسؤولية، في تفاقم الأوضاع، وانتشار الفيروس في البلدان الفقيرة، مما يزيد من المعاناة ويقضي على المساعي، لتسريع العودة الطبيعية للحياة، لاسيما وان الاقتصاد العالمي ما يزال غير قادر، على الخروج من مأزق ”الجائحة“، فالبدء في التطعيم خطوة أساسية في حدوث انفراجة بالاقتصاد العالمي، بيد ان محدودية التقليح على المستوى العالمي، يجعل من فتح الاقتصاد العالمي مخاطرة كبرى، خصوصا وان اكتشاف الفيروسات المتحورة مؤخرا، يؤشر لامكانية العودة القوية للفيروس مجددا، مما يفرض التحرك المسؤول لتوفير اللقاحات، عبر توسيع دائرة التطعيم على ظهر كوكب الأرض، وبالتالي فان الشركات المنتجة تتحمل مسؤولية أخلاقية، ضمن جهود توفير المناعة الجماعية.

كاتب صحفي