آخر تحديث: 18 / 9 / 2021م - 1:44 م

أطفالنا وتكوين الأصدقاء الأوفياء

المهندس أمير الصالح *

في عهد ما قبل الكورونا، تتاح للأطفال إبرام صداقات عديدة وكثيرة ناتجة في الأساس عن الزمالة والمصاحبة في المدرسة أو اللعب مع أبناء الحي، أي: الأراضي المجاورة للبيوت، أو عند المشاركة حضورياً في المناسبات الاجتماعية والعبادية أو الاشتراك في الأندية المختصة في بعض أنواع الرياضة الجماعية التنافسية مثل الجري والسباحة والجمباز. ونتيجة استمرار التواصل مع المحيط وتعدد المواقف تتوطد وتتولد الصداقات وترتقي؛ ومنها يتم الاصطفاء من بين الجموع، وانتخاب الأنسب في الاستمرار والوفاء. هكذا كان الديدن في أنماط توليف نسيج الأصدقاء قبل جائحة كورونا. وتقل نسبة تكوين الأصدقاء الأخلاء، وتكثر نسبة الزملاء لدى كبار السن لكون الفرص المتاحة في التنقيب عن الأصدقاء الأخلاء الأوفياء تكون أكثر تعقيداً لديهم لدخول عوامل عديدة، مثل: التوجه السياسي الإيديولوجية الفكرية والمستوى الاقتصادي والاهتمامات والميول وتمحيص نسب الاطمئنان النفسي نحو الآخر، وتلكم الأمور لا يعرفها الأطفال عند إبرام صداقاتهم العفوية.

في عهد جائحة كورونا الراهن ونتيجة لموجات وحزم الإجراءات الصحية الوقائية مثل التباعد الاجتماعي والاحترازات الصحية الوقائية ومحدودية التجمعات البشرية في المناسبات الاجتماعية، تعمق مفهوم الانتقاء في التواصل الاجتماعي في الفضاء العام وازدادت ندرة التواصل في المدرسة ودور العبادة، وانحسر التواصل الاجتماعي في المناسبات الاجتماعية الكبرى مثل: الأفراح والأتراح، واختفى منسوب التواصل مع أبناء الحي الواحد. شعر معظم الآباء والأمهات بضمور وانكماش معدل تكوين الصداقات لدى أبنائهم الأطفال turn over ratio. ووقع بعض الوالدين في صراع نفسي داخلي بين نار حب إدخال السعادة على قلب أطفاله من خلال الانخراط بالأنشطة الاجتماعية، وبين حب حمايتهم من الوقوع فريسة للوباء نتيجة إهمال العزل الوقائي.

قد يقول قائل: لنجعل العزل الصحي القائم مناسبة لتوطيد العلاقات الأسرية، وخلق العلاقات العنيفة بين أفراد الأسرة. وقد يقول آخر: كم كنا كأفراد أسرة واحدة متباعدين، والآن أتت هذه الفرصة لترميم العلاقة. ويقول ثالث: الحمد لله على كل حال. كل هذه الردود طيبة وتنم عن معالجات بسيطة لتهدئة الخواطر ولا سيما مع امتداد الفترة وطول زمن الجائحة.

الملاحظ أن الأطفال يفتقدون مهارات التواصل مع أبناء محيطهم. ففي الوقت الذي يتلقى أحد أبناء المجتمع درس العلوم من مدرسه الإيرلندي عبر تطبيق Teams، ودرس الرياضيات من مدرسه جنوب الأفريقي عبر تطبيق zoom، ودرس اللغة الإنجليزية من مدرسه الإنجليزي عبر تطبيق Teams، نرى أن الطالب ذاته لا يعرف كيف يتواصل مع أبناء جيرانه وأقرانه من الفئة العمرية ذاتها بسبب الخجل أو جدار الصمت الطويل أو جهل فنون كسر الجليد مع الآخرين، او انطماس مهارات التواصل، أو فقدان الثقة بالذات، أو الخشية من ردود الأفعال، أو الخوف بشكل عام. في الواقع أضحى أبناء الجيل الصاعد يعيشون في العالم الافتراضي أكثر بكثير ممن يعيشون العالم الواقعي وقد يحبون العالم الافتراضي لأنه في نظرهم عالم سلس وقليل المنكدات، وكل شيء بالنسبة إليهم ليس أكثر من ضغطة زر أو مجموعة أزرار على الحاسوب أو الهاتف النقال لتكليف آخرين بالإنجاز والتوصيل لطلب طعام أو لعبة أو ملابس أو أحذية، ودفع المقابل المالي من حساب أحد الوالدين أدام الله بقاءهم. وقد يصل الوهم لدى بعض الأطفال السذج بأن العالم الافتراضي ليس للشر والنصابين فيه أي وجود، وأن كل من تعرف أو سيتعرف عليهم أثناء الاشتراك بلعبة إلكترونية او محادثة عابرة هم أصدقاء يستحقون الثقة العمياء.

هكذا جيل مفتقر لمهارات التواصل الفعال والذكاء الاجتماعي وأساليب كسب الآخرين من المحتمل أن يسهل افتراسه أو تذويبه عبر بعض تطبيقات الذكاء الصناعي، واستدراكاً للأمر لأهميته سيحتاج الجيل الواعد الصاعد الحالي إلى فترة إعادة تأهيل عند انقشاع هذا الوباء. شخصياً أقترح إدراج موقت لمادة مهارات الاتصال communication skills في التعليم الرسمي لكي نكون وإياكم عوناً لأبناء الجيل الصاعد على قادم السنين ونضمن أن لا يُؤكلون كما اُكل الثور الأبيض. فالمجتمعات المتلمسة لأعراض الأمراض فيها والمبادرة لأخذ المصل المناسب لأي مرض عضوي أو اخلاقي أو سلوكي أو حضاري جديرة بحياة صحية طويلة الأمد.