آخر تحديث: 14 / 5 / 2021م - 12:33 م

القانون الاجتماعي

محمد أحمد التاروتي *

تلعب الثقافة سواء الإيجابية او السلبية دورا، في إرساء قواعد الأنظمة والتشريعات الاجتماعية، بحيث تبقى سيوفا مسلطة على رقاب الجميع، الامر الذي يجبر الغالبية على مسايرة تلك الأنظمة، تجنبا للدخول في مشاكل وعقوبات صارمة، لاسيما وان بعض الأنظمة تمتلك السلطة المعنوية وأحيانا المادية، لتدفع الغالبية على السير وفقها، والامتناع عن اختراقها والخروج عليها، ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى? أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى? آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ .

سلطة القانون الاجتماعي تختلف باختلاف الأدوات القناعات الداعمة لها، فالقانون في بعض البيئات الاجتماعية يحرك الجميع في اتجاهات محددة، نظرا لوجود ايمان كامل بضرورة التسليم بتلك الأنظمة، وعدم التفكير في الخروج عليها، من خلال الكثير من الممارسات العملية، ومعاقبة كل طرف يخترقها، عبر العديد من الإجراءات لقطع الطريق، امام كل المحاولات الساعية للمساس بالانظمة الحاكمة، وبالتالي فان القانون لا يمتلك السلطة المادية او المعنوية بدون بيئة حاضنة، تعمل على تكريس في الوجدان الاجتماعي.

القانون الاجتماعي ليس سلبيا على الدوام، ولكنه ليس إيجابيا دائما، فهناك الكثير من الأنظمة الاجتماعية الظالمة، وغير المقبولة على الاطلاق، بحيث تنحاز لشريحة محددة على حساب مختلف الشرائح الأخرى، فيما بعض الأنظمة تنتصر لجنس بشري عبر تجيير جميع القرارات لصالحه، دون الالتفات لبقية الاجناس الأخرى، سواء نتيجة تلاقي المصالح، او بسبب سيطرة هذا الجنس على القرار الاجتماعي، الامر الذي يدفعه لتغليب المصالح الشخصية، على حساب بقية المكونات الاجتماعية الأخرى، بحيث يظهر في مجموعة القرارات الاجتماعية المجحفة تجاه بعض الفئات، او محاباة جنس على حساب الجنس الاخر.

تحمل العديد القوانين الاجتماعية جانبا مشرقا، فهناك العديد من الممارسات القادرة، على تهيئة الظروف المناسبة للتماسك الداخلي، خصوصا وان القيم الأخلاقية تتناغم مع بعض الأنظمة الاجتماعية، مما يضعها في خانة الممارسات الإيجابية، وبالتالي فان محاولة رسم صوة قاتمة، للعديد من الممارسات الاجتماعية امر مرفوض، الامر الذي يفرض تسليط الضوء على تلك الممارسات، لتكريس في المنظومة الثقافية السائدة، كنوع من رد الجميل من جانب، والعمل على تصحيح بعض المسارات الخاطئة من جانب اخر، فالتركيز على الجوانب الإيجابية يترك انطباعات صحية، في التفكير الجمعي.

الانتقائية في الأنظمة الاجتماعية ممارسة ظالمة في كثير من الأحيان، خصوصا وان البعض يعمل على اعلاء شأن بعض القناعات السائدة، مقابل طمس الكثير من الأنظمة الأخرى، انطلاقا من قناعات بضرورة السير قدما في اتجاهات محددة، باعتبارها الوسيلة المناسبة، لاحداث ثقافة خاصة تعمل على إرساء قواعد معينة، وبالتالي فان الانتقائية تحدث انقسامات واضحة في الجدار الاجتماعي، جراء الانتصار لفئة محددة مقابل تجاهل مختلف الفئات الأخرى، بمعنى اخر، فان النظام الاجتماعي ليس قدرا محتوما، ولكنه ترجمة لقناعات محددة، ساهمت في إخراجها الى الممارسات العملية على الأرض، مما يفتح المجال امام الاجتهادات، والدخول في معركة جديدة، لاعادة ترتيب الأوراق مجددا، بما يحقق التوازن الداخلي للتفكير الجمعي، على حساب التجاوزات المصاحبة لبعض الأنظمة الاجتماعية السائدة.

التحولات الفكرية توفر البيئة المناسبة، لاعادة رسم الأنظمة الاجتماعية، فالكثير من الممارسات الخارجية سرعان ما تتحول الى ”ذكرى“، نظرا لارتقاء التفكير الجمعي الاجتماعي، مما يدفع باتجاه التخلي عن بعض الأنظمة الصارمة، فتارة تكون عملية إعادة ترتيب الأوراق بشكل طوعي واوتوماتيكي، وتارة أخرى تتم عن طريق الاجبار جراء الواقع الخارجي المغاير تماما للعديد من الأنظمة الاجتماعية القديمة، مما يفرض التأقلم مع الواقع الجديد، بما ينسجم مع الظرف الزماني والمكاني.

الأنظمة الاجتماعية تمثل مدخلا لوضع النقاط على الحروف، في العديد من الممارسات الخارجية، خصوصا وان القناعات السلبية تشكل تهديدا حقيقيا، على المنظومة الثقافية الاجتماعية، مما يستدعي التحرك الجاد لاعادة غربلة العديد من الأنظمة السائدة، بهدف إخراجها من الواقع الخارجي، والحرص على خلق البيئة المثالية، لتكريس الجوانب الإيجابية، نظرا لأهمية الثقافة الإيجابية، في القناعات الفردية أولا والجمعية ثانيا

كاتب صحفي