آخر تحديث: 14 / 5 / 2021م - 12:21 م

السلوك الانساني

محمد أحمد التاروتي *

تعكس الممارسات اليومية جانبا من السلوك الانساني لدى المرء، فالتعاملات الحياتية تعطي انطباعات سلبية طورا او إيجابية طورا اخر، تبعا لنوعية الاعمال في المحيط الاجتماعي، خصوصا وان المرتكزات الثقافية تغذي السلوك الخارجي، في كثير من الاحيان، الامر الذي يبرز على اشكال متعددة بعضها ذات طابع ”انساني“، والبعض الاخر ينعكس الجوانب الاخلاقية، نظرا لاختلاف نمط التفكير أولا، ونتيجة للوضع الاجتماعي السائد ثانيا.

السلوك على اختلافه يخلق حالة من التعاطف الاجتماعي، فتارة تكون ردة الفعل عنيفة، وغير مقبولة على الاطلاق، نتيجة الممارسات الخارجية السلبية على الذات أولا، والبيئة الاجتماعية ثانيا، وتارة اخرى تجد بعض الاعمال الخارجية استجابة سريعة واشادة واسعة، انطلاقا من مبادئها السامية على الاطار الفردي، والاجتماعي في الوقت نفسه، وبالتالي فان السلوك الانساني يتوزع في الجانب السلبي، وكذلك في الاطار الايجابي، نظرا لاختلاف الاليات والغايات المرسومة، في وضع تلك السلوكيات في الحياة العامة.

تلعب البيئة الاجتماعية عنصرا مساعدا، في تحفيز الجوانب الإيجابية، ولكنها ليست قادرة على فرض ايقاعاتها على الجميع، انطلاقا من القابلية لدى البشر، فالبعض يجد نفسه مدفوعا باتجاه التحرك الإنساني، نتيجة بعض الاحداث الاجتماعية، مما يحفز على وضع السلوك الايجابي في المسار السليم، بحيث يخرج على اشكال بعضها مؤقتة، والاخرى مستدامة، الامر الذي يشق طريقه نحو رسم ثقافة اجتماعية إيجابية، لدى مختلف الاجيال، بحيث لا تقتصر تأثيراتها على البيئة الراهنة، ولكنها تمتد للاجيال القادمة، فهناك الكثير من السلوكيات الانسانية ما تزال قائمة، وفاعلة في الاوساط الاجتماعية، بالرغم من مرور عقود طويلة على انطلاقتها، نظرا لقدرتها على استقطاب العناصر الفاعلة، لمواصلة مشوار السلوك الانساني الايجابي.

بروز السلوك السلبي مرتبط احيانا بعوامل ضغط اجتماعي، وانتشار البؤر الفاسدة في الكيان الاجتماعي، مما يدفع باتجاه تنمية شجرة السلوك السيئ لدى البعض، الامر الذي يتمثل في تخريب الكثير من المبادرات الانسانية لدى المجتمع، سواء نتيجة السريرة المريضة لدى هذه الفئة، او لعدم ادراك المرامي السامي، لتلك المبادرات على البيئة الاجتماعية، مما يحرك الامراض الداخلية لاتخاذ المواقف السلبية، ”الناس اعداء ما جهلوا“، بمعنى اخر، فان التحفيز لا يجدي نفعا لدى بعض العناصر الناقمة، على البيئة الاجتماعية، انطلاقا من المواقف السلبية السابقة، مما يصيب البصيرة الانسانية السليمة بالعمى، وحجب الصورة الكاملة، وبالتالي الدخول في مواجهة مباشرة مع البيئة الاجتماعية، عبر السلوك المعاكس وغير المبرر، لدى الكثير من الفئات الاجتماعية.

الاشادة الاجتماعية للسلوك الانساني الإيجابي، عامل مشجع في جميع الاحوال، ولكنه ليس كافيا لمواصلة مشوار العطاء الانساني، خصوصا وان مفعول التشجيع سرعان ما يتلاشى، فالتعويل على الاشادة في دفع الممارسات الانسانية الايجابية، لا يخلق الثقافة الايجابية في البيئة الاجتماعية، وبالتالي فان القناعات الداخلية تمثل المحرك الأساس، وراء الانخراط في السلوك الانساني الايجابي، فاعمال الخير لا تحتاج الى اشادة، او تشجيع على الاطلاق، فهي قادرة على اختراق الجدار الاجتماعي، مما يسهم في تكريسها في الممارسات الخارجية، لدى بعض الفئات الاجتماعية، بحيث تصبح جزءا من التكوين الفكري، في مختلف مناحي الحياة، فهي لا تترجم في بعض الاعمال دون الاخرى، وانما تظهر في مختلف الممارسات الخارجية، باعتبارها ترجمة عملية للمنظومة الثقافية الحاكمة في التفكير الخارجي.

السلوك الانساني لا يمكن قصره في بعض الجوانب المحددة، ولكنه يشمل جميع الممارسات مع الاخر، فتارة تترجم في التفاعل مع الاخر، وتارة اخرى يبرز على الاطار الاجتماعي، ”اماطة الاذى من الطريق صدقة“، وبالتالي فان وضع تصورات محددة يخرج السلوك الانساني من سياقه، مما يفقده قيمته لدى البعض، جراء تأطيره في اعمال محددة، دون اتخاذ النظرة الشمولية، الامر الذي يحول دون استقطاب بعض الفئات الاجتماعية، للانخراط في المبادرات الصغيرة، ذات الاثر الكبير في الوسط الاجتماعي، فالعملية مرتبطة بالاليات المترجمة للسلوك الانساني بالدرجة الاولى، ليست محصورة في قوالب خاصة تفصل بطريقة خاطئة، نظرا للافتقار للتصورات المناسبة، لكيفية تقييم السلوك الانساني الايجابي بالشكل المطلوب.

كاتب صحفي