آخر تحديث: 14 / 5 / 2021م - 12:33 م

المواقف الحياتية

محمد أحمد التاروتي *

المواقف الحياتية تجاه الاحداث الاجتماعية مرتبطة احيانا بالمخزون الفكري، واحيانا اخرى بالتفاعلات الخارجية، مما يغذي الذاكرة الشخصية بشحنة كبيرة او صغيرة، بالاتجاهات تجاه البيئة الاجتماعية، بحيث تأخذ جانبا سلبيا تارة، وجانبا ايجابيا تارة الاخرى، بحيث تضع في الاعتبار الضغوط النفسية المحركة لتلك المواقف على اختلافها، وبالتالي فان محاولات الوقوف على الاتجاهات المحركة للمواقف صعبة للغاية، نظرا لاختلاف الظروف السائدة في البيئة الاجتماعية، مما يستدعي دراسة المواقف بطريقة ذكية، وعدم الانجرار وراء القراءات المسبقة، او الاراء المعلبة.

الدخول في القراءة الدقيقة للمواقف المحركة للانسان، عملية اساسية لاحداث حالة من التفاعل، بما ينسجم مع الوقع المعاش، لاسيما وان التعرف على التوجهات الفكرية للمرء، مدخل اساسي للقراءة المبدئية للمواقف على اختلافها، فهناك العديد من الاحداث الاجتماعية تستدعي التعامل معها بالقناعات الفكرية، وليست بالوسيلة العقلانية او العاطفية، الامر الذي يفسر الاختلاف الحاصل في الاراء تجاه شتى الاحداث الاجتماعية، فالبعض ينتهج سبيل ”الوسيط“، كنوع من امساك العصا من الوسط، فيما يحدد البعض الاخر موقفه منذ البداية، من خلال المناصرة حتى النفس الاخير دون التراجع قيد انملة، فيما الصنف الثالث يتبنى الجانب السلبي والمعارضة الشديدة، انطلاقا من رؤية شخصية أحيانا، والقراءة المختلفة للواقع المعاش احيانا اخرى، بينما القسم الرابع يفضل الانزواء والجلوس على التل، انطلاقا من مبادئ وقناعات ”الجلوس على التل اسلم“، وبالتالي فان الانقسام الحاصل في المواقف مرتبط بطبيعة التفكير الإنساني، والقدرة على التفاعل مع الازمات الاجتماعية، مما يدفع باتجاه مواقف محددة دون النظر للعواقب المترتبة عليها أحيانا، والخشية من العواقب الناجمة عن تلك المواقف احيانا اخرى.

الاحترام المتبادل يساعد في احداث تحولات حقيقية في الفكر الانساني، فالبيئة التي تستوعب مختلف الآراء، قادرة على التقدم والسير قدما في اتجاه الهدف، خصوصا وان القمع والاجبار يخلق الكثير من التشنجات والصراعات، مما يحدث حالة من التصحر الفكري لدى العديد من الشرائح الاجتماعي، نظرا لعدم وجود الارض الخصبة القادرة على تقبل مختلف الاراء، الامر الذي يدفع نحو السكوت وعدم المشاركة الفاعلة، وتلاشي التفاعل الشامل مع القضايا، مما ينعكس سلبيا على العطاء، وبالتالي الخسارة الكبيرة على الصعيد الاجتماعي، جراء فقدان القدرة على التفكير الشامل، لايجاد الحلول المناسبة، فالمواقف السلبية ليست مرضا على الدوام، فالتفكير خارج الصندوق عملية اساسية في كثير من الاحيان، بهدف الخروج من التفكير التقليدي، والبحث عن الافكار الابداعية، مما يساعد في القفز على الواقع المعاش، باتجاه المعالجات غير التقليدية، واختصار الزمن عبر التحرك بخلاف التفكير السائد، بمعنى اخر، فان الاحترام المتبادل عملية أساسية، في خلق التماسك الداخلي في البيئة الاجتماعية، فالانتصار للاراء الخاصة امر مطلوب، باعتبارها جزءا اصيلا من التفكير الشخصي، بيد ان الاصرار على تلك الاراء دون دوافع مقنعة، يترجم غياب الاحترام المتبادل، والدخول في متاهة اللعب بالنار، على الصعيد الاجتماعي.

الايمان الكامل بحرية الانسان في اتخاذ المواقف، عملية اساسية في بناء البيئة الفكرية الصحية، لاسيما وان الفرض والاجبار يلوث الوسط الاجتماعي، ويدفع باتجاه السيطرة على التفكير الحر، مما يعرقل عملية التنمية الاجتماعية السليمة، نظرا لوجود عراقيل حقيقية في وضع الامور في المسار السليم، خصوصا وان الاجبار يجد مقاومة شرسة، وعنيفة في احيان كثيرة، ”العنف يولد العنف“، مما يدفع الوسط الاجتماعي في دوامة العنف، والانخراط في الصراعات الطويلة، مما يحول دون رؤية الامور بالطريقة المثالية، لاسيما وان اتاحة المجال للتفكير واتخاذ المواقف المتعددة، يفتح الطريق امام النقاشات العديدة ويسهم في تصويب الاخطاء، بحيث يقود للوصول الى شاطئ الامان في نهاية المطاف، فيما الفرض يدفع البيئة الاجتماعية نحو التخبط، وعدم القدرة على الوصول الى سبيل النجاة، جراء سيطرة بعض الافكار على العقل الجمعي، مما يعطل التفكير الإيجابي، ويساعد في احداث بعض الشلل في ايجاد الاليات المناسبة، للخروج من المأزق باقل الخسائر.

كاتب صحفي