آخر تحديث: 22 / 6 / 2021م - 6:44 ص

تأملات رمضانية 13

محمد أحمد التاروتي *

التعامل الواعي مع المناسبات الاستثنائية، يتجلى في الاليات المتخذة في استغلالها بالطريقة المناسبة، لاسيما وان التغافل او التغاضي عن الاستفادة من تلك المناسبات، يكشف مستوى الوعي ومدى الاهتمام، وكذلك فانه يعطي انطباعات حول التفكير المحرك للانسان، تجاه المناسبات الهامة على اختلافها، وبالتالي فان محاولة البحث عن الوسائل المساعدة لاحتضان المناسبات، بما يعود على الانسان بالفائدة الكبرى، يمثل الخيار العقلاني والمطلوب في الوقت نفسه، لاسيما وان التجاهل وعدم الاهتمام يترك الحسرة في النفوس، ويخلق حالة من الضياع الذاتي، وعدم الاستقرار الداخلي.

شهر رمضان المبارك مناسبة استثنائية، نظرا لما تمثله من قوة روحية على الصعيد الذاتي، وموسما لاظهار المفاهيم الأخلاقية، والقيم الاسلامية السامية، الامر الذي يفسر الاهتمام الكبير من لدن جميع المسلمين، فالاجواء الروحية تخيم على الاجواء العامة، فضلا عن بروز الكثير من الاعمال الخيرية، وانتشار العديد من الاعمال الخيرية، على الصعيد الاجتماعي، خصوصا بالنسبة لتقديم المساعدات للاسر المتعففة، بالاضافة الى انتشار الافطار الجماعي في الاماكن العامة، نظرا لادراك المسلمين بقدسية هذه الفريصة الإسلامية، وقدرتها على ازالة التراكمات العالقة في القلوب، ”ايها الصائم فانك في شهر صيامك فيه مفروض ونفسك فيه تسبيح ونومك فيه عبادة وطاعتك فيه مقبولة وذنوبك فيه مغفورة واصواتك فيه مسموعة“.

تختلف طريقة التعامل مع شهر الصيام، انطلاقا من مستوى الوعي لدى الصائم، فالبعض يتحرك وفقا للمفاهيم الضيقة، التي يحملها في التعامل مع شهر التوبة، الامر الذي ينعكس على الحصيلة التي يخرج بها، من الامتناع عن الاكل والشرب لساعات النهار، فيما تكون الحصيلة وافرة بالنسبة للبعض الاخر، انطلاقا من الاليات المتبعة في تجسد المفاهيم العميقة لشهر الصيام، ”مناجاتك فيه مرحومة“ ”وهو شهر يفتح فيه ابواب السماء وابواب الرحمة، ويغلق فيه ابواب النيران“، وبالتالي فان المحركات الذاتية والاستعدادات النفسية، لاستقبال الفيض الالهي خلال شهر رمضان، عناصر اساسية في التعاطي الواعي مع شهر رمضان المبارك.

الوعي العميق مرتبط بتوفير الأسباب، والعمل على خلق الظروف المناسبة، لاحداث انعكاسات ملموسة على الصعيد الأخلاقي، وكذلك في السلوك الخارجي، فهذه الفريضة قادرة على تحريك الجوانب الأخلاقية، وقمع السلوكيات السيئة، مما يسهم في احداث انقلابات داخلية عميقة في النفوس، فالصائم يكون قريبا من الله، جراء الحرص على الالتزام بالممارسات الفاضلة، تفاديا للاقدام على اعمال تفسد الصيام ”الصائم في عبادة الله وإِنْ كانَ نائماً على فراشه“، بمعنى اخر، فان القدرة على اكتشاف الاستعدادات النفسية، لتوظيف فريضة الصيام بالطريقة المناسية، عملية اساسية في ادراك المرامي، والغايات الكبيرة، لتكرار هذه الفريضة سنويا.

الاستعدادات النفسية تتجاوز بعض الممارسات ”الظاهرية“، حيث تبدأ المحركات الذاتية من تحويل ساعات الصيام الى برنامج روحي، قادر على اشاعة الاجواء الايمانية على النفس أولا، ونشر تلك الاجواء الروحية في المحيط الاجتماعي ثانيا، خصوصا وان السلوك الخارجي اكثر قدرة على عكس قيمة الصيام على المحيط القريب، الامر الذي يساعد في وضع الامور في النصاب السليم، من خلال تحريك الاجواء العامة باتجاه وضع البرامج الاجتماعية الهادفة، بهدف تعزيز السلوك الاخلاقي في النفوس، و”هجران“ السلوك الخاطئة، مما يشكل نقطة تحول كبرى في اتجاه التقرب الى الله ”الدين المعاملة“، و”إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم“، وبالتالي فان الاستعدادات النفسية مدخلا أساسيا، في الخروج بالجائزة الكبرى، وترجمة فعلية لادراك فريضة الصيام.

الوعي الحقيقي نقطة جوهرية، في انتقال الانسان من حالة التخبط الى الاستقرار، فالوعي يتجاوز بعض المفاهيم القاصرة، التي يتجاور البعض بثها في الثقافة اليومية، وبالتالي فان محاولة تسخير الوعي في تكريس شهر الصيام، في احداث الانتقال الحقيقي في الاتجاه السليم، ينم عن رغبة اكيدة في تحويل المناسبة الاسلامية السنوية، الى محطة اساسية للتزود بالطاقة الروحية، للوصول الى شاطئ الأمان، وتحقيق الفوز في الدنيا والاخرة.

”أيها الناس: إن هذا الشهر شهر فضله الله على سائر الشهور كفضلنا أهل البيت على سائر الناس وهو شهر يفتح فيه أبواب السماء وأبواب الرحمة ويغلق فيه أبواب النيران وهو شهر يسمع فيه النداء ويستجاب فيه الدعاء ويرحم فيه البكاء وهو شهر فيه ليلة نزلت الملائكة فيها من السماء فتسلم على الصائمين والصائمات باذن ربهم إلى مطلع الفجر وهي ليلة القدر“.

كاتب صحفي