آخر تحديث: 22 / 6 / 2021م - 6:44 ص

تأملات رمضانية 14

محمد أحمد التاروتي *

باب التجارة الرابحة مع الله مفتوحة على الدوام، فهي لا تؤطر بزمان او مكان على الاطلاق، نظرا لوجود الدعوة المفتوحة للإنسان، للعودة الى سبيل الرشاد، وقطع الطريق امام الانحراف عن طريق الصلاح، الامر الذي يقطع الحجة امام الانسان، لايجاد المبررات او الحجج الواهية، للاستمرار في طريق الهلاك، واتخاذ سبيل الخسران في الدنيا والاخرة، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى? أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ و﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، وبالتالي فان المرء يمتلك جميع الخيارات لتحديد مصيره الدنيوي، والاخروي في الوقت نفسه، من خلال انتهاج طريق الهداية، والابتعاد عن هلاك النفس، عبر الكثير من الممارسات الشيطانية.

الدعوة المفتوحة للعودة الى سبيل النجاة، تتجلى في الكثير من الايات الكريمة ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ و﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ، الامر الذي يحث الانسان على المسارعة، والتحرك الجادة لاعادة ترتيب العلاقة مع الخالق، بما يعود عليه بالصلاح والخروج من دائرة حزب الشيطان، الى دائرة حزب الصلاح والرشاد، خصوصا وان الاعمال الصالحة تمثل المؤشر الحقيقي لقياس الصلاح، والفوز بالرضوان في دار القرار، وبالتالي فان الاستغلال المثالي للتجارة مع الخالق في الدنيا، يشكل العنصر الحاسم في تحديد المصير الاخروي.

شهر رمضان المبارك بما يحمله من خير كثير، وافاضات الهية واسعة ”“ أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ أَبْوَابَ الْجِنَانِ فِي هَذَا الشَّهْرِ مُفَتَّحَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُغَلِّقَهَا عَنْكُمْ، وَأَبْوَابَ النِّيرَانِ مُغَلَّقَةٌ ”، يشكل نقطة جوهرية في المسيرة الحياتية لدى الصائم، كونه مناسبة عظيمة لاعادة رسم المسار الاخروي، انطلاقا من التحرك المغاير في وضع معادلة جديدة، في التجارة مع الخالق، خصوصا وان الاعمال في الشهر الفضيل لا تقارن بغيرها من الشهور الأخرى، مما يحفز على مضاعفة العمل الصالح، والحرص على اخلاص النية في جميع الاعمال سواء ذات العلاقة بالجانب الروحي، او المرتبطة بالعمل الاجتماعي في المحيط القريب او الواسع“ أيها الصائم فإنك في شهر صيامك فيه مفروض ونفسك فيه تسبيح ونومك فيه عبادة وطاعتك فيه مقبولة وذنوبك فيه مغفورة وأصواتك فيه مسموعة ومناجاتك فيه مرحومة".

وضع الاطار السليم في تعظيم اثر فريضة الصيام على النفس، عنصر حيوي في مختلف المراحل الحياتية، خصوصا وان الاثار المترتبة على الالتزام بهذه الفريضة الإسلامية، يختلف باختلاف التفكير لدى كل مسلم، فالبعض يكون الأثر متواضعا للغاية، بحيث لا يشكل تحولا ملموسا في طبيعة العلاقة العبادية، وكذلك يظهر في الافتقار بمختلف التفاعلات المطلوبة، مع الوسط الاجتماعي، فيما البعض الاخر يكون الأثر كبيرا للغاية، بحيث يتلمس في احداث انقلاب جوهري، فيما يتعلق بالجانب العبادي، وكذلك ارتفاع منسوب الأثر الروحي، الامر الذي يعود عليه بالفوز الكبير، وتحقيق المزيد من الربح، سواء على الصعيد الذاتي، او الجانب الاجتماعي.

التجارة الرابحة مع الخالق في شهر رمضان، احدى المحفزات الرئيسية في عودة المسلم الى الجادة الصواب، خصوصا وان الايمان الكامل برحمة الله الواسعة، وعدم اغلاق الباب امام العودة، يساعد في احداث الاثار النفسية على الدوام، الامر الذي يخلق حالة من الرغبة الجامحة، في ترك السيرة المنحرفة وراء الظهر، والتحرك بايمان راسخ لاعادة العلاقة الايمانية مجددا، حيث يشكل شهر رمضان المبارك فرصة كبرى، لاعادة احياء النفوس الملوثة بمختلف أنواع المعاصي، وخلق حالة من الاستقرار النفسي، وبدء مرحلة جديدة شعارها ”التجارة الرابحة“ للفوز بالجنان.

”أيها الصائم إن طردت عن باب مليكك فأي باب تقصد وان حرمك ربك فمن ذا الذي يرزقك وان أهانك فمن ذا الذي يكرمك وإن أذلك فمن ذا الذي يعزك وإن خذلك فمن ذا الذي ينصرك وإن لم يقبلك في زمرة عبيده فإلى من ترجع بعبوديتك وإن لم يقلك عثرتك عمن ترجو لغفران ذنوبك وان طالبك بحقه فماذا يكون حجتك“.

كاتب صحفي