آخر تحديث: 22 / 6 / 2021م - 4:26 ص

تأملات رمضانية 24

محمد أحمد التاروتي *

حفظ النفس من السقوط في مستنقعات الاهواء، يتطلب ترويض الذات، عبر زيادة الجرعات العبادية، وسائر الاعمال الصالحة، فالعملية ليست مرهونة بفترة زمنية، وانما يبدأ الصراع من التكليف الشرعي حتى نهاية العمر، حيث يوصف الصراع بين النفس الامارة بالسوء، والعقل الداعي للخير ب ”الجهاد الأكبر“، ”أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه“، وبالتالي فان مخالفة الذات وعدم الانصياع لرغباتها الشيطانية، عملية أساسية لحفظ النفس من السقوط، في وحل الرذيلة، والخسران الكبير.

الصراع القائم بين السمو للاعلى والخلود الى الأرض، يستدعي ايجاد الأدوات لتحقيق الانتصار على الذات الشيطانية، والوقوف بجانب الأوامر الإلهية، خصوصا وان الهفوة الصغيرة تجلب معها الكثير من الحسرات، والمزيد من الابتعاد عن جادة الحق، ”الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ“، وبالتالي فان الاختلاف الكبير بين الأوامر الإلهية، والمغريات الشيطانية، تكمن في المصير الاخروي بالدرجة الأولى، فالشهوات تردي صاحبها، وتقوده الى الدخول في متاهات مظلمة، بعضها تظهر نتائجه في الدنيا سريعا، والبعض الاخر تكون عواقبه الوخيمة في الاخرة، فيما الأوامر الإلهية تسلك بصاحبها طريق النجاة، والفوز في الدنيا والاخرة، نظرا لانسجامها مع الفطرة السليمة، وتحركها باتجاه صلاح الذات، ورسم مسار واضح المعالم، في العلاقة مع الخالق أولا، ومع المحيط الاجتماعي الواسع ثانيا، الامر الذي ينعكس على صلاح النفس، ورفض المغريات على اختلافها، نظرا لما تمثله من اضرار مادية ومعنوية، على الانسان في الدنيا قبل الاخرة.

ترويض الذات معركة صعبة للغاية، نظرا لوجود مغريات دنيوية عديدة، التي تسهم في اضعاف الإرادة القوية، الامر الذي يتجلى في التنازل على العديد من المبادئ الأخلاقية، والانقياد وراء بعض الشهوات في لحظات الضعف البشرية، مما ينعكس بصورة مباشرة على الدخول طواعية في ساحة ”الشيطان“، فتارة تكون عملية الانخراط في ساحة النوازع الشهوانية، عن رغبة ذاتية وضعف شخصي، تجاه تلك المغريات العديدة ”وَلَ?كِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث“، وتارة يظهر الضعف تجاه الوسواس الشيطانية نتيجة رفقاء السوء، ”قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَ?ؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ“.

شهر رمضان المبارك تجربة عملية للوقوف، بحزم امام المغريات على اختلافها، فالصائم يمتنع بارادته عن المباحات في بقية الشهور مثل الاكل والشرب، فما بالك بالامور المحرمة مثل شرب الخمر وغيرها من الأشياء المحرمات، وبالتالي فان الشهر الفضيل يعطي الانسان قوة إرادة، وعزيمة راسخة لمقاومة مغريات الذات، الامر الذي يساعد في مشوار الحياة الطويل، في معركة الصراع بين الجنة والنار، ”من صام شهر رمضان فحفظ فيه نفسه من المحارم“، بمعنى اخر، فان أيام الشهر الفضيل مدرسة حقيقية لحفظ النفس من السقوط، وعدم الانقياد وراء الاهواء الشيطانية، نظرا لكون الأيام الثلاثين قادرة على صقل الذات، بما يتوافق مع الأوامر الإلهية، خصوصا وان عبادة الصوم تلعب دورا كبيرا، في التغلب على الاهواء الشيطانية، مما يساعد في السيطرة على الذات، وحفظ النفس بما يعود عليها بالفوز في الاخرة، والدخول في جنة عرضها السموات والأرض، ”من صام رمضان ايمانا واحتسابا دخل الجنة“، ”“ من صام رمضان فلم يفطر في شئ من لياليه على حرام دخل الجنة".

بكلمة فان الصيام يحدث اثرا نفسيا، وارتياحا كبيرا لدى الصائم، خصوصا وان توفيق الله لاستكمال الشهر الفضيل، نعمة تستحق الشكر من الخالق، ”وَاَعِّني عَلى صِيامِهِ وَقِيامِهِ، وَسلِّمْهُ لي وَسَلِّمْني فيهِ، وَاَعِنّي عَلَيْهِ بِاَفْضَلِ عَوْنِكَ“.

كاتب صحفي