آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

أنامل ترسم المستقبل

تربية الأبناء تعد مسئولية جسيمة تتطلب من الوالدين امتلاك مهارات وقدرات للتفاهم والتواصل مع أبنائهم وفهم شخصياتهم، وما يتأمله الوالدان من ثمار مستقبلية مزهرة وبارزة في تفكير وسلوكيات الأبناء يرتبط بنحو وثيق بالجهود المبذولة في سبيل ترسيخ وتقويم تصرفاتهم، ومن الخطأ تصور أن الأبناء تقتصر حاجاتهم على الجانب المادي من مصروف وملبس وغيرها من المستلزمات، بل هناك حاجة أهم وهي تنمية مداركهم العقلية لفهم أنفسهم ورسم أهدافهم في الحياة ومعرفة كيفية مواجهة المشاكل العابرة بهم، كما أن السلوكيات والتصرفات الأسرية والاجتماعية التي تجعل منهم شخصيات مقبولة ومحبوبة هم يكتسبونها ويتعلمونها من والديهم، فينشأون ويترعرعون وأعين الوالدين التربوية تمدهم وتشجعهم وتوجههم إن أخطأوا أو قصروا في واجباتهم، فالطفل المتصالح مع ذاته والمتقبل لنفسه والمتسامح مع الغير سيكون ذا شأن ومكانة بين أقرانه.

وتربية الأبناء السليمة تقع بين خطين لا ينبغي الوصول لهما، وهما: الإفراط أو التفريط، فالبعض يتصور خطأ أن التربية المقومة لشخصية ابنه هي سياسة العصا والشدة وعدم التساهل مع أي تقصير يقع منه، وهو لا يعلم بأنه يبعد ابنه عن نهج السوية والاتزان ليأخذه نحو اتباع نفس الأسلوب الذي قاسى منه وهو العدوانية مستقبلا، أو تتملكه المخاوف فيصبح شخصية هزيلة تميل إلى الانزواء وعدم المواجهة لأي عقبة تصادفه، فما نراه من شخصية شاب لا يتحمل المسئولية ويحيا الفراغ والدعة والتعامل الانفعالي الشديد منه هو نتاج تربية خاطئة في الصغر، وليس هناك من طريقة للتعامل مع أخطائه كالتربية بالحب والبعيدة عن العنف اللفظي والجسدي، وإذا صدر منه أي خطأ فيمكن من خلال احتضانه وتوجيهه أن تردعه، وإذا ما تمادى فيمكن إشعاره بتصرفه غير المقبول من خلال الصمت عنه أو حرمانه من لعبته المفضلة أو النزهة الأسبوعية لفترة قصيرة، كما لا ينبغي إغفال دور المحفزات التشجيعية إن هو ترك سلوكا غير محبب، فإن شخصية الطفل السوية ترتكز على أسس الثقة بالنفس وشجاعة الموقف وتحمل مسئولية أفعاله والاستقلالية في اتخاذ القرار، وبالتأكيد فإن هذه المرتكزات لا تنمو عند طفل يعاني من التعنيف والغلظة.

والخط الآخر للتربية هو أن لا يصل لحد التفريط والتدليل الزائد فذلك يجعل منه شخصية لا تتحمل أي مسئولية في حياته، بل يتسم بالاتكالية والاعتماد على الغير فلا يحسن التصرف لوحده إن واجه صعوبة أو مشكلة، والحياة تعتصر بعقباتها وصعوباتها الشاب القوي في تفكيره والمتزن في سلوكياته فكيف بمن لا يمتلك مفاتيح التعامل مع العقبات؟!

فالتربية الاقتصادية السوية تنشيء الطفل على إنفاق مصروفه باعتدال مع وضع صندوق للإدخار، فإذا وصل مرحلة الشباب استطاع أن يواجه الصعوبات المالية بعيدا عن الإسراف أو البخل، فما نراه من أزواج يتصفون بالبذخ أو الشح في الصرف هو نتاج تربية خاطئة أو مهملة له في الصغر.

والتربية العاطفية يستمد فيها الأبناء المشاعر الصادقة والحنان من والديهم، فإذا رأيت شابا يتعامل بطيبة وتخرج من فمه الكلمات الطيبة الرقيقة فهذا نتاج تربية وجدانية له في الصغر، أو واجهت العكس فرأيت شابا قاسيا في كلامه أو متبلدا في أحاسيسه فهذا حصيلة الحرمان العاطفي الذي عانى منه في الصغر.

والخلاصة أن شخصية الشاب والفتاة هي نتاج ما تربوا وترعرعوا عليه من والديهم، فلننظر كآباء وأمهات كيف نرسم معالم شخصيات أطفالنا في المستقبل.