آخر تحديث: 19 / 1 / 2022م - 2:05 م

الأيديولوجيا والإنسان

محمد المحفوظ *

على المستويين المعرفي والإنساني من حق أي إنسان، أن يتبنى رأي أو منظومة فكرية، لأن هذه من الحقوق الأساسية للإنسان، ولا يمكن لهذا الإنسان حتى لو تنازل عن هذا الحق، أن يعيش الحياة بدون هذا الحق. فمن لوازم الوجود الإنساني أن يمتلك رأيا وفكرة تجاه كل الظواهر الإنسانية سواء كانت فردية أو جماعية.

ولعل بعض المشاكل التي تحدث في المجتمعات الإنسانية، حينما تتشكل رؤية دينية أو دنيوية أن من حق القائمين على هذه الرؤية امتلاك هذا الحق، وبالتالي يتم التعدي الأيديولوجي على أحد حقوق الإنسان الأساسية تحت تبريرات معينة قد يقتنع بها الإنسان ضمن ظرف محدد أو قناعة أيديولوجية ثابتة.

إلا أن أي تحول يصيب الإنسان، سيلتفت إلى هذا الحق المنزوع وسيعمل على إعادة هذا الحق.

فالأيديولوجيات ليست مهمتها انتزاع حقوق الإنسان الأساسية، أو التعدي على البعد الذي لا غنى للإنسان عنه. وكل أيديولوجية سواء كانت دينية أو غير دينية تسيطر على هذا الحق فإن الإنسان حينما يتحرر من قيود هذه الأيديولوجية، سيلتفت إلى حقه، وسيعمل لإعادته إليه. وبالتالي فإن الأيديولوجيات التي تمتلك شهوة التدخل في تفاصيل وخصوصيات الإنسان، لا سبيل مستديم إلى نجاحها وتميزها في أي بيئة اجتماعية.

وعليه فإن الإنسان ليس في موقع خدمة الأيديولوجيا، ومن يعتقد أن مهام الإنسان الأساسية خدمة هذه الأيديولوجيا أو تلك، فإنه يمارس تزييف الوعي لهذه الأيديولوجيا ولدور الإنسان في الوجود والحياة. فالإنسان ليس خادما للأيديولوجيا، وإنما الأيديولوجيا هي في خدمة الإنسان سواء على المستوى المعنوي أو الاجتماعي.

والإنسان حينما يضحي بحياته من أجل مبادئه، فهو في حقيقة الأمر يدافع عن وجوده النوعي بفعل عوامل احتقان أو غضب ليس للأيديولوجيا أي دخل بها. فالإنسان حينما تغضبه السياسة أو الأوضاع الاقتصادية أو أي شيء آخر فهو يضحي بنفسه بوصف أن هذه التضحية هي التي ستحرر المجتمع الذي أنتمي إليه من كل القيود والأغلال التي تفرضها الأوضاع والظروف السياسية أو الاقتصادية.

وعليه فإن الأيديولوجيا بما تمتلك من مخزون معرفي ومعنوي جاءت لخدمة الإنسان ونقله من طور لآخر.

وبالتالي فإن الأيديولوجيات سواء كانت سماوية أو غير سماوية، جاءت من أجل أن يعيش الإنسان حياة جديدة، مختلفة وتفرض هذه الأيديولوجيا أن هذه الحياة أكثر سعادة واستقرارا.

نسوق هذا الكلام من أجل نحرر علاقة الإنسان والأيديولوجيا من نزعة الهيمنة والخدمة التي لا تنتهي.

ونعتقد بشكل جازم أن الأيديولوجيا التي لا تخدم الإنسان ولا تسعى إلى تطوير وجوده على المستويين المادي والمعنوي، فإن هذه الأيديولوجيا لن تصمد في حياة الإنسان وسرعان ما يفارقهما هذا الإنسان لصالح رؤية أو أيديولوجيا جديدة أو مغايرة.

ولعل النقطة المركزية في تحرير العلاقة بين الإنسان والأيديولوجيا هي في تحرر من يخدم من، هل الأيديولوجيا خادمة للإنسان أم العكس.

نحن نعتقد أن الأيديولوجيا هي بمثابة خريطة طريق يسير عليها الإنسان سواء في حياته الخاصة أم العامة، وإن الالتزام بهذه الخريطة ستجنب الإنسان الكثير من الصعوبات والمآزق.

وعليه فإن الأيديولوجيا هي في موقع خدمة الإنسان على المستويين المعنوي والمادي، الفردي والجماعي.

وإن أي تغيير في هذه المعادلة سيضر جوهريا بالإنسان والأيديولوجيا في آن واحد..

وعليه فإن الأيديولوجيا التي تكون معبرة بشكل صحيح عن جوهر الإنسان وفطرته الأساسية، فإن هذه الأيديولوجيا ستنجح في تقديم خدمات جليلة للإنسان، وستتمكن هذه الأيديولوجيا من التمكن من تقديم الخدمات الضرورية للإنسان..

أما إذا كانت هذه الأيديولوجيا مغايرة للإنسان أو غير منسجمة وطبيعة الإنسان وفطرته الأساسية فإن هذه الأيديولوجية ستتحول إلى قيد حقيقي يمنع الإنسان من ممارسة حياته بشكل سليم.

بحيث تكون هذه الحياة متناغمة بشكل دقيق مع ما يصبوا إليه الإنسان انطلاقا من خصائصه الإنسانية والميولات الجوهرية التي تفرضها الفطرة التكوينية للإنسان..

ونحن نعتقد إن بناء هذه الرؤية في علاقة الأيديولوجيا والإنسان والعكس، سيحرر الإنسان من الكثير من القيود والكوابح التي تحول دون أن يعيش الإنسان حياة مستقرة وعميقة. وإن مربط الفرس أن يعيش الإنسان حياة طبيعية ومستقرة، تبدأ من طبيعة العلاقة التي تربط الإنسان بالأيديولوجيا التي يحملها.

وعليه فإن كل أيديولوجيا تسوغ لحاملها قتل الإنسان المختلف بدون سبب إلا سبب الاختلاف، هي أيديولوجيا مضرة للإنسان راهنا ومستقبلا.

وكل أيديولوجيا تمنع الإنسان من تلبية غرائزه وحوائجه البيولوجية والإنسانية بشكل سليم ومتوازن، هي أيضا أيديولوجيا كابحة للإنسان ومانعة لطمأنينته واستقراره النفسي والاجتماعي.

وكل أيديولوجيا تحول الإنسان إلى قنبلة موقوتة ضد من يختلف معها، فإن هذه الأيديولوجيا ستحول دنياها إلى جحيم يحرق كل من يختلف معها أو يتباين معها.

وما أحوجنا اليوم إل الأيديولوجيا التي تحترم الإنسان وتتعامل مع كل لوازمه بوصفها دائرة يحرم فيها التعدي عليها من قبل أي إنسان آخر. فكل أيديولوجيا تقتل من يختلف معها، هي أيديولوجيا تدمر الوجود الإنساني ولا تقدم خدمة جليلة للإنسان.

وكل أيديولوجيا يضيق صدرها بالمختلف وتعمل على اجتثاثه واستئصاله، هي أيديولوجيا تساهم في عسكرة الحياة وإدخال الإنسان المؤمن بها في خطر وجودي.

نحن نحتاج إلى رؤية وأيديولوجيا تعتز بالإنسان وجودا وحقوقا سواء كان مؤمنا بها أو لا.

ونحتاج إلى رؤية تعمل على حماية وصيانة كل أشكال التنوع والتعدد في الحياة الاجتماعية والإنسانية.

إن تحرير علاقة الإنسان بالأيديولوجيا من أعباء القتل وسفك الدم وتصحر حياة الإنسان، هي الخطوة الأولى في بناء مجتمع أكثر استقرارا وحيوية وفعالية على المستويات كافة.

كاتب وباحث سعودي «سيهات».