آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

المشكاة الأولى

الاختلاف حول أصول الدين

أيمن رجاء النخلي *

كيف يمكن للإسلام أن يصبح قوة حضارية تغير العالم، أو كيف لنا أن ندعي أننا نعرف الإسلام في حين ليس فقط المذاهب الإسلامية مختلفة حول أصول الدين، بل حتى أصحاب المذهب الواحد مختلفين حولها، مع عدم وجود آلية واضحة في تحديد هذه الأصول. وفي حين يدعي كل مذهب على أن الأصول هي أمور عقدية يجب الإيمان بها دون تقليد، فإن علماء المذاهب الإسلامية يلقنون أتباعهم الإيمان بهذه الأصول دون توضيح كيفية اختيارها أو تشخيصها كأصول للدين دون سواها. وإذا لم تستطع المذاهب الإسلامية تشخيص الأصول وتحديدها بشكل دقيق، فكيف لنا أن ندعي أننا نعرف بقية جوانب الدين وأبعاده، أو كيف لنا أن ندعوا العالم إلى الإسلام الذي يعيش أبنائه الاختلاف حول تحديد هوية أصوله. نحن بحاجة إلى ثورة فكرية تنتشل الفكر الإسلامي من واقعه الحالي الذي نشأ ويقوم على الاستقطاب المذهبي والطائفي، إلى مرحلة النهوض والمعرفة الدقيقة والقيادة التكاملية.

الاختلاف حول أصول الدين عند الفرق الإسلامية

لا يمكن إغفال الفضل العظيم للعلماء السابقين في محاولة تحديد أصول الدين، وفتح أبواب هذا العلم للبحث والتحقيق، لما للأصول من أهمية بالغة في بناء فهمنا للإسلام. ولكن يجب أن لا يتوقف البحث والنظر والتحقيق والتقدم عند ما تم تشخيصه من نظريات سابقة في فهم الإسلام، أو في تحديد الأصول.

من المعلوم أن العلماء اصطلحوا على مسمى الأصول، ولم يعتمدوا على نصوص محدده في تشخيص الأصول، ولا أقصد إثباتها، والبعض يرى أن تحديد الأصول والاعتقاد بها هو عقلي وبعيد عن النص والرواية. وهناك اختلاف بين العلماء في تحديد الأصول وعددها، وذلك لعدم وجود محددات تفرض هذه الأصول دون غيرها، وتمنع من الزيادة والنقصان في الأصول، وترفع الالتباس في ماهيتها أو تعدادها. ولعل هناك بعض الأصول لم يتم تحديدها، والتي لها الأثر البالغ في فهم الإسلام. ولعله هناك ترابط عظيم بين الأصول بما يشخص حقيقة وجود الإنسان ووجود التشريع والقرب من الخالق.

فبعض الفرق الإسلامية قد يرى الأصول على أنها العبادات الضرورية كالصلاة والصوم والحج، والبعض قد يراها الضروريات العقدية للمسلم كالتوحيد والنبوة، ولعل البعض يراها في تحديد مدى إسلام أو فسق الإنسان كالمنزلة بين المنزلتين. لذلك هناك اختلاف شديد بين المذاهب، وذلك مع عدم الاهتداء إلى نص شرعي واضح جامع يدل على الأصول. ولذلك ذهب بعض العلماء إلى الاعتماد على بعض النصوص الشرعية لتدعيم رأيه في جهة معينة كإثبات المعاد على أنه من الأصول، في حين رفض البعض في كون المعاد من الأصول. وذلك يدل على عدم وجود المنهجية الدقيقة في تشخيص الأصول والبحث في النصوص الشرعية.

من الصعب قبول الاختلاف حول أصول الدين كما هو دارج حول المسائل والتطبيقات الفقهية، وذلك للأهمية البالغة للأصول، والتي تشكل حقيقة الإسلام وهويته. فلا يمكن قبول الاختلاف حول التوحيد مثلا في كونه من الأصول، لأن ذلك يسقط الإسلام، وكذلك هو الحال مع بقية الأصول التي سوف يتم تشخيصها ومناقشتها لاحقاً.

الأصول عند مختلف المذاهب الإسلامية

إذا قمنا بتعريف الأصول على أنها القواعد الأساسية للدين التي تحكم جميع أبعاده، وتتفرع منها جميع التشريعات والمعتقدات الدينية «الأبعاد الدينية» ولا يقوم تدين الإنسان بالإخلال بأي من هذه الأصول.

وفي مراجعة لأصول الدين عند مختلف المذاهب الإسلامية نجد:

أصول الدين عند الإسماعيلية، والزيدية والمعتزلة: 1» التوحيد و2» العدل و3» الوعد والوعيد و4» المنزلة بين المنزلتين و5» الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وإذا نظرنا إلى هذه الأصول، فإن الوعد والوعيد من الممكن أن يصطلح عليه بالمعاد. أما المنزلة بين المنزلتين فهي لا تعدوا كونها نظرية في تشخيص الإنسان المسلم، ولا ترقة إلى مستوى أن تكون أصل من أصول الدين تحكم جميع أبعاده. وكذلك بالنسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي تطبيق من تطبيقات الدين، ولا ترقى إلى كونها أصل من أصول الدين أو القواعد الأساسية التي يقوم عليها الدين، ويهدم بدونها تدين الإنسان. وأما بالنسبة للعدل فهو صفة من صفات المولى عز وجل، من الممكن أن تدرج تحت أصل التوحيد مثلاً.

وبهذا فمن الممكن اختصار هذه الأصول لهذه الفرق إلى: 1» التوحيد و2» والمعاد

أما أصول الدين، أو أركان الدين كما يصطلحون عليها، عند مذاهب أهل السنة، كالحنبلي والشافعي والأشعري والمالكي والحنفي فهي: 1» شهادة أن لا إله إلا الله، و2» أن محمد رسول الله، و3» الصلاة، و4» الصوم، و5» الزكاة، و6» الحج.

من الممكن أن يصطلح على الأصل الأول بالتوحيد، والأصل الثاني بالنبوة. أما الصلاة والصوم والزكاة والحج فهي تطبيقات عبادية للإسلام كالجهاد وكالأمر بالمعروف فهي لا ترقى إلى كونها أصول للدين تحكم جميع أبعاده، ويهدم بدونها تدين الإنسان بالكلية. ولكن من الممكن أن نصطلح على جمع هذه التطبيقات العبادية إلى أصل واحد وهو العبادة.

وبهذا من الممكن إعادة تسمية أصول الدين لدى المذاهب السنية إلى: 1» التوحيد و2» النبوة و3» العبادة.

وأصول الدين عند الإمامية هي: 1» التوحيد و2» النبوة و3» الإمامه و4» والمعاد و5» العدل.

ولكن هناك اختلاف حول الأصول عند علماء الإمامية، فالبعض يرى كفاية التوحيد والنبوة، والبعض يرى إضافة الإمامة أو إضافة المعاد، والبعض الآخر يرى ضرورة إضافة العدل أيضاً.

إذاً المذاهب الإسلامية بشكل عام تتفق حول كون التوحيد من الأصول، ولكن تختلف حول النبوة والإمامه والمعاد والعدل في كونها من أصول الدين.

وإذا اختلفنا نحن المسلمون حول أصول الدين، فإن هذا يدل على الخلل الكبير في فهمنا للإسلام بشكل عام، وكيف لنا أن نقدم الإسلام كمنهج متكامل لغير المسلمين. ومن جهة أخرى إذا لم نحدد أصول الدين بشكل دقيق، فكيف لنا أن نفهم المشروع والرسالة الإسلامية ونحققها على الأرض. وإذا أخطئنا في الأصول، فإننا لن نستطيع أن نحدد الفروع وبقية جوانب الإسلام بشكل كافي ووافي.

منشأ الأصول وتحديدها

نشأت أصول الدين عند محاولة العلماء تحديد ضرورات الدين، أو للتمييز بين المذاهب والأديان، خصوصاً بعد تعدد الفرق الإسلامية بشكل واضح. فعمل كل مذهب على تحديد المحاور الأساسية لمذهبه، وذلك لكي يحدد جمهوره وأتباعه ومن ثم يجري الأحكام والتطبيقات الفقهية عليهم.

وهنا فرق شاسع بين محاولة تحديد أصول الدين، وبين محاولة التمييز بين المذاهب، أو تحديد ضرورات الإسلام أو الإيمان، وهذا ما أدى إلى نشوء اللبس في تحديد أصول الدين والاختلاف حولها. فوضع أصول من أجل التمييز بين المذاهب لا يمكن أن يعطينا الأصول الشامله للإسلام. وكذلك إذا اعتمدنا بعض الأصول لتحديد ضرورات الإسلام، فإن هذا الأسلوب وإن أعطانا بعض الأصول الصحيحه، فإنه لا يعطينا الأصول بشكل كامل وشامل والتي تحدد القواعد الأساسية للدين.

فيجب أولاً تعريف أصول الدين بالشكل الصحيح، ومن ثم وضع الآلية والمنهج الصحيح لتحديد الأصول. وللأسف لم يكن هناك محاولة لتعريف معنى أصول الدين قبل الغور في تشخيصها أو تعريف ما اصطلح عليه على أنه من الأصول.

فالعلماء يعتمدون الأصول كضرورة للإيمان كالتوحيد والنبوة والبعض يرى ضرورة الإيمان بالمعاد والإمامه والعدل. والإشكال هنا ليس في ماهية الأصول بقدر ماهو في آلية تشخيصها، وذلك لكي لا يتم إغفال أي أصول الدين أو إهماله وعدم الإنتباه إليه، أو إضافة أصل لعله لا يكون من أصول الدين.

فالإشكال هو غياب أي محددات واضحه أو نصوص شرعية في تحديد ماهية الأصول وعددها، ولذلك حدث الإختلاف حول ماهيتها، كالإختلاف حول كون الإمامه أو المعاد أو العدل من الأصول. أو الإختلاف حول عددها بين إثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة.

والبعض يرى أن الأصول ما يجب أن يعرف، والفروع ما يجب أن يعمل، وهذا بحد ذاته فيه إشكال كبير، لأن الفروع لابد وأن تتفرع من الأصول. فهذا القانون غير صائب في تمييز الأصول، فهو يسمي الأصول بالمعتقدات، والفروع بالعبادات، وليس هناك أي إثبات على صحة هذه الفرضية.

عدم وجود آلية صحيحة لتشخيص الأصول

إن عدم وجود آلية واضحة في اختيار الأصول وتشخيصها، أو استخدام آلية قد لا تكون دقيقه وكافية، ليس فقط يترك المجال مفتوحاً للاختلاف بين العلماء، بل ويترك الكثير من الالتباس والتساؤلات لدى عامة الناس المطالبون بالاعتقاد بهذه الأصول دون التقليد فيها. وإذا لم يكن الأساس قوي في تحديد الأصول وتشخيصها فضلاً عن إثباتها وحصرها في عدد معين، فإن ذلك يترك الباب واسعاً أمام الالتباس.

فالسبب الرئيسي في وجود صعوبة أو اختلاف حول أصول الدين عند عامة المذاهب بشكل عام، وعند علماء المذهب الواحد بشكل خاص، هو بسبب عدم وجود الآلية الصحيحة في تحديد الأصول وتشخيصها بالدرجة الأولى. فالاختلاف حول كون المعاد من أصول الدين هو ليس بسبب الاختلاف حول وجود أدلة تثبت المعاد، بل هو في تشخيص كون المعاد من الأصول. وكذلك بالنسبة للعدل. فالقضية ليست في إثبات صفة العدل للمولى عز وجل، ولكن الاختلاف حول كون العدل من الأصول أم لا.

هل نحن بحاجة إلى مراجعة أصول الدين

لم تلقى أصول الدين الإسلامي من البحث والتحقيق ما يكفي، وهناك إشكالات كثيرة حولها، والمسلمون بحاجة إلى تحقيقها بشكل عام لما لها من أهمية بالغة في تشكيل هوية الإنسان المؤمن وسلوكه وعباداته. فالأصول واستيعابها أولى من الفروع أو من التطبيقات الفقهية ومهيمن عليها.

ومن جهة أخرى، فللأصول أهمية بالغة لهداية الإنسان إلى الإيمان، وخصوصاً من غير المسلمين، بل إن لها الأثر الأبلغ في تحقق الإيمان للإنسان المسلم.

أهمية الأصول

إن أهمية الأصول ليست فقط في تحديد من هو داخل دائرة الإسلام ممن هو خارجٌ عنها، كما يعتمد ذلك غالبية العلماء عند تحديدهم للأصول. وليس في تحديد من هو حنبلي أو شافعي أو شيعي. بل إن أهمية تحديد الأصول بشكل دقيق له الأثر البالغ في فهمنا للإسلام بشكل عام، والذي ينعكس على كل حركات الإنسان المسلم وتطبيقاته الإسلامية، وبالتالي ينعكس على وضع الأمة الإسلامية بشكل عام. فالفهم الصحيح للإسلام يغير هوية الإنسان وأسلوبه في اتخاذ القرارات والأفعال. فقتلة الإمام الحسين وإن ادعوا الإسلام، ففهمهم للإسلام كان خاطئاً، مما نتج عنه أفعال في غاية البعد عن الإسلام وحقيقته.

إن الخطر الحقيقي الذي تواجهه الأمة الإسلامية اليوم ليس كما الخطر الذي كانت تواجهه في السابق، في العصر الذي تم تحديد الأصول فيه بشكل عام. ففي السابق كانت تواجه الكفر والزندقة في قبال الإسلام. ولكن الخطر الذي تواجهه الأمة الإسلامية اليوم هو الفهم الخاطئ للإسلام في قبال الفهم الصحيح، بالإضافة إلى الانفتاح على كافة الأديان والإيديولوجيات الموجودة في العالم. وأصبح خطر المسلم على المسلم في ظل الإثارة الطائفية، أكبر خطر يتهدد الأمة، وقد يدفع أبنائها إلى الابتعاد عن الدين برمته.

وإذا ما تم تحديد الأصول بشكل أكثر وضوحاً ودقة، فإن ذلك أدعى للإيمان وللتقارب وللوحدة وللفهم الصحيح للإسلام، ولنهوض الأمة الإسلامية. فمدى الفهم الصحيح أو الخاطئ للإسلام هو الذي يتقدم بالأمة أو يتخلّف بها.

الفكر الإسلامي بين حرية البحث وجمود التقديس

وبما أن الإيمان بهذه العقائد لابد وأن يكون عقلي ولا تقليد فيه، فيجب الابتعاد عن التقديس الذي قد يحرم البحث والتحقيق والتفكر فيها وسبر أبعادها ومحاولة فهمها بشكل أكثر دقة. وعلينا أن لا نقدس الآراء السابقة بل نحترمها ونستفد منها في متابعة البحث والنظر والتحقيق والتأمّل لفهم أصول الإسلام بشكل أكثر دقة. إن الفهم الصحيح والدقيق لأصول الدين يجعلنا نفهم الإسلام ورسالته بشكل أفضل وأن نكون أقرب لما يريده المولى عز وجل.

نرجوا أن يفتح الباب بشكل أكبر ويشجع في مجال البحث في جميع أبعاد العلوم الإسلامية، في العقائد، والإقتصاد، والسياسة، والإجتماع، والتربية، والإدارة، والتفسير وغيرها، وذلك لكي يتم استيعاب وفهم الإسلام بشكل أفضل وأكمل في جميع جوانبه ما يساعد في التمهيد لدولة التوحيد والعدل الإلهي. إن ما تعيشه الأمة الإسلامية من فرقة وتقهقر وضعف أمام بقية الأمم هو نتيجة فهمها الناقص للإسلام. ولا يمكن للأمة الإسلامية أن تنهض وتتقدم حتى تستوعب وتعمل بأفكار الإسلام العظيمة.

فلابد على المدارس والحوزات الدينية والأزهر الشريف أن يفتحوا أبواب البحث ليتقدم الفكر الإسلامي، كما تتقدم جميع العلوم الأخرى، وأن لا يتجمد البحث والتفكير في العلوم الإسلامية بسبب تقديس آراء المفكرين السابقين. ولابد أن تنشر هذه الأبحاث بشكل مستمر وبكل حرية أمام العامة دون حرج لكي يتطور الفكر الإسلامي لدى عامة الناس كما لدى المتخصصين.

ولذلك لابد من توظيف طاقات الشباب الذين يلتحقون في طلب العلوم الدينية في سبر هذه العلوم وفتح أبواب البحث لهم لكي يصبحوا من الرواد الذين يقودون هذه العلوم. ولذلك لابد من إدخال الكتب العصرية في مجالات هذه العلوم كالإدارة والاقتصاد والاجتماع وغيرها لكي يستطيع طالب العلوم الدينية من فهم الإسلام بشكل أفضل.

إن هدر طاقات الشباب في الاختلاف أو التمايز الفكري أو المذهبي، لا تعود على الأمة بالإصلاح الكافي بقدر ما تجر الشارع إلى الفرقة والطائفية والتمزق، أو تجرّه إلى التطرّف وفصل الدين عن الحياة، وإلباسه عباءة الرهبانية فقط.

يتبع،،،

كاتب من المدينة المنورة