آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

المشكاة الثانية: المذاهب الإسلامية وذهنية الاختلاف

أيمن رجاء النخلي *

هل هناك اختلاف حقيقي حول ماهية الأصول

بمراجعة لمختلف المذاهب الإسلامية، وهي: الإمامية، والمعتزله والأشاعرة، والمذاهب الأربعة «الحنابله، والمالكية، والشوافع والأحناف» والإباضية، والإسماعيلية، فإن مجموعة أصول الدين عند مختلف هذه المذاهب الإسلامية هي:

1» التوحيد، 2» النبوة، 3» المعاد «وقد يسمى الوعد والوعيد»،

4» الإمامه، 5» العدل، 6» الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وكل هذه المذاهب تجمع على أصلين أساسيين يتحقق بهما الإسلام وهما:

1 - التوحيد

2 - النبوة

علماً بأن كل المذاهب الإسلامية يؤمنون ليس فقط بأصلي التوحيد والنبوة، بل يؤمنون بكل ما ذكر من الأصول الستة، سيان عدوها من أصول الدين، أو من فروع الدين أو من المفاهيم الإسلامية بشكل عام. فلا يوجد مذهب إسلامي ينكر المعاد مثلاً، فجميع المذاهب الإسلامية تؤمن بالمعاد والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الاختلاف حول الإمامة

ولعل أكثر الأصول جدلية بين المذاهب الإسلامية هو الإمامة، والاختلاف حول شخصية الإمام أو صفاته أو تسميته من بعد الرسول. وهو ما يمكن أن يسمى الفارق بين المذاهب الشيعية والسنية بشكل عام. رغم أن كل المذاهب الإسلامية تعتمد الإمامة وتؤمن بها. فلكل مذهب إمام أو أئمة، يجلونهم ويحترمونهم ويعتبرونهم المؤسسين للمذهب وإن اختلفوا حول من هم الأئمة، ولكنهم متفقون حول الإمامة كمفهوم بشكل عملي.

ففي الوقت الذي تعتمد فيه المذاهب الشيعية الأئمة من أهل البيت’ فالمذاهب السنية تعتمد الأئمة، كالإمام أحمد بن حنبل أو الإمام الشافعي أو الإمام مالك. فلكل مذهب من مذاهب المسلمين إمام أو أئمة مؤسسين لذلك المذهب. ولو لم يكونوا أئمة، لجاز تعدد المذاهب بلا حصر لها، وتجددها في كل عصر وزمان. وحتى في نظرة السلفية فإنهم يضعون الصحابة في منزلة الإمامة بشكل عملي، ويعتبرون السلف الصالح والصحابة كأئمة للدين.

فالأشاعرة مثلاً يتخذون من أبا الحسن الأشعري إماماً لمذهبهم، والمعتزله يعتبرون الحسن البصري وبشر بن المعتمر، والزيدية يعتبرون أن زيد بن علي هو إمامهم، والإسماعيلية يتخذون إسماعيل بن جعفر الصادق، والإمامية يعتبرون جعفر الصادق هو إمامهم. إذاً لا يوجد اختلاف حقيقي حول مفهوم الإمام في تأسيس المذهب أو المنهجية. فجميع المذاهب من حيث المبدأ متفقون على مفهوم وجود الإمام. ولعلهم فقط يختلفون على تشخيص هوية الإمام.

لا قطع في تحديد أصول الدين عند مختلف المذاهب

الملاحظ أيضاً أن جميع المذاهب الإسلامية لا تملك أي آلية في تشخيص أصول الدين بشكل قطعي، ولا تملك أي نص شرعي في تحديد هذه الأصول دون غيرها من أحكام الدين. فكل مذهب يفترض الأصول ثم يسترسل في إثباتها، دون ذكر أدلة قطعية تحدد ما افترضه من أصول دون سواها. وإنما حددت الأصول للتمييز بين المذاهب الإسلامية، رغم أن كل المذاهب الإسلامية متفقة حول الأصول المختلفة عليها. فهي لا تختلف كثيراً حول حقيقة المفاهيم الإسلامية المقصود بها أصولاً للدين، كالمعاد مثلاً.

وإذا كانت الأصول هي التي تميّز المذاهب، فإن جميع المذاهب الإسلامية هي مذهب واحد، ولا تختلف من حيث النظرية في أصول الدين بشكل عام. لأن جميع المذاهب الإسلامية تؤمن بالأصول الأساسية للدين كالتوحيد والنبوة والمعاد، وإن كان هناك إختلافات تفصيلية بين المتكلمين، ولكن ليس هناك اختلاف حقيقي في الأصول نظرياً.

التضليل المتبادل بين المذاهب الإسلامية

وإذا كانت المذاهب الإسلامية لا تختلف كثيراً حول أصول الدين وماهيتها بشكل عام من حيث النظرية، ولا تنكر أي مفهوم من المفاهيم الأساسية التي افترض كل مذهب على أنها أصول للدين الإسلامي، وفي نفس الوقت لا يملك أي مذهب نص شرعي يحدد أصول الدين التي افترضها، إذاً لماذا يقوم كلّ مذهب بتفسيق وتضليل المذاهب الأخرى، ويدعي أصحابه أن مذهبهم هو الذي يمثل الطريق المستقيم، دون أن تكون هناك حوارات أو دراسات منهجية للهداية إلى الأصول الصحيحة.

فعندما لا يملك أي من المذاهب الإسلامية نص شرعي في تحديد أصول الدين، وإنما كانت أصول الدين عند جميع المذاهب الإسلامية هي نظريات حددها علماء كل مذهب، وعندما لا ينكر هذه الأصول أو المفاهيم أي من المذاهب الإسلامية، فإن التضليل بين المذاهب الإسلامية، وادعاء كل فرقة بأنهم هم الفرقة الناجية فقط بفضل تسميتهم بهذه المفاهيم أو الأصول، فإن ذلك يدل على ذهنية التمايز والفرقة والاختلاف أكثر مما يدل على فهم ومعرفة الإسلام.

فأصبحت المذاهب ليس فقط منهجية ونظرية لفهم الإسلام، بل أصبحت وسيلة للفرقة بين المسلمين وتضليل وتفسيق بعضهم الآخر. فأصبح المسلم يضلل ويفسق من يؤمن بالتوحيد والرسالة والمعاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويؤمن بالقرآن، ويؤدي الصلاة والزكاة والصوم والحج. بل يصل الحد أن يرى أن من على مذهبه هم أولياء الله، ومن خالف مذهبه يجب عليه التبرؤ منهم لأنهم أعداء الله. إذاً القضية هي ليست في فهم الإسلام بقدر ما هي للاختلاف عليه. «قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنسَانُ قَتُورًا «100» سورة الإسراء.

لقد تجاوز الاختلاف في العصر الحالي بين المذاهب الإسلامية، ووصل إلى الاختلاف والفرقة بين أبناء المذهب والواحد، وبين علماء المذهب الواحد، والله المستعان على ما يصفون. فعندما يختلف مفكر إسلامي عن مفكر آخر في فهم جزئية من مفاهيم الدين فإنه يتم تضليله وتفسيقه، ولو كانوا يتبعون نفس المذهب.

القرآن يرفض مفهوم الفرقة الناجية

فلو كانت القضية هي في فهم الإسلام وليست للفرقة عليه، لما ادعى كل مذهب بضلال أبناء المذهب الآخر، وجميعهم يتلون الكتاب ويؤمنون به. ولما ادعى كلّ مذهب بأنه هو الفرقة الناجية «وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ». فاليهود اعتقدوا أنه لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً. وكذلك النصارى اعتقدوا أنه لن يدخل الجنة إلا النصارى. وكذلك فإن المذاهب الإسلامية يعتقد كلّ منها بأنه هو الفرقة الناجية، فتتصور المذاهب السنية أن الشيعة لن يدخلوا الجنة، ويتصور الشيعة أن أهل السنة لن يدخلوا الجنة، بغياً من عند أنفسهم.

بينما القرآن يرفض أسلوب التفكير بهذه الطريقة، ويستنكر فكرة الفرقة الناجية، أو شعب الله المختار، ويدعوا المسلمين إلى إحسان العمل بعد الإيمان والتوحيد، وعدم الاتكال على هذه الدعاوى والتصنيفات العقدية. القرآن الكريم يحدد أن من يوحد الله على مستوى العقيدة، ويحسن على مستوى العمل، فإن أجره على الله وعمله مقبول ولا خوف عليه ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.

ذهنية الاختلاف عند علماء المسلمين

فعلماء الكلام في كل مذهب أرادوا تمييز مذهبهم عن بقية المذاهب الإسلامية، ولكن حقيقة الاختلاف هي في الشخصيات وليست في المفاهيم الكلية بشكل عام كالإيمان بالتوحيد أو النبوة أو الآخرة والمعاد والإيمان بالقرآن الكريم. فالأصول هي مفاهيم مفترضه أريد منها التمايز بين المذاهب الإسلامية. فالمذاهب الإسلامية أسست نوعاً ما على أساس الفرقة بين المسلمين. وما يجنيه العالم الإسلامي اليوم من فرقة وطائفية وتكفير وتضليل متبادل بين أبناء المذاهب المختلفة، وبين أبناء المذهب الواحد، هو نتيجة هذه العقلية القائمة التمايز والفرقة.

إن ما أحدث الفرقة الأساسية بين المذاهب الإسلامية هو الإختلاف حول الشخصيات، وليس الاختلاف حول المفاهيم. ولو أن المسلمين ناقشوا المفاهيم بعيداً عن الأسماء لما تفرقوا ولما اختلفوا. لأن المفاهيم الأساسية في الإسلام مدعومة بآيات الكتاب، ولا يمكن أن ينكرها أي مسلم. وكذلك فإن الفرقة بين علماء المذهب الواحد، أو اتجاهات المذهب الواحد، هو ليس للاختلاف حول المفاهيم الإسلامية، بل هو للاختلاف حول الشخصيات، وإنما استخدمت المفاهيم الإسلامية كشماعة ووسيلة للاختلاف. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ «113» سورة البقرة.

إذاً علينا أن نراقب أنفسنا ودوافعها، وأن لا ننخدع بالكلمات الدينية البرّاقة التي نستخدمها، أو الملابس الظاهرية التي نلبسها، أو الألقاب التبجيلية التي ندعيها، بل علينا أن نعرف حقيقة الدوافع النفسية التي تدعوا للفرقة والاختلاف. ولو كانت الأنفس تطلب الوصول إلى الجنة، لما اختلفت باسم الأديان.

﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ «21»، لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ «22» سورة ق.

يتبع،،،

كاتب من المدينة المنورة